ثمّ إنّ أمثال هذه الأشياء التي تدلّ على كون المراد بالوصيّة ما هو مرادف الإمامة كثيرة ، وأكثرها مذكورة في كتابنا هذا متفرّقة لاسيّما في الفصل الرابع ، على أنّا لو فرضنا أنّه لم يصدر من النبيّ صلىاللهعليهوآله في حقّ عليّ عليهالسلام غير محض تخصيصه من بين الصحابة والقرابة بالوصيّة ولو مجملاً ، لوجب على الأُمّة ـ حيث لم ينصّ على إمامة غيره ـ أن يجعلوه إماماً وخليفةً لا غير ؛ ضرورة كونها حينئذٍ قائمةً مقام النصّ على ذلك ولا أقلّ من الأولويّة ، فافهم .
واعلم أنّ جماعة من المخالفين أغمضوا عن التعرّض للكلام في الوصيّة رأساً ، فلم يتكلّموا لا فيها ولا في دلالتها بشيءٍ أصلاً ، وجماعة منهم حيث لم يجدوا بُدّاً من الاعتراف بها أنكروا ما بيّنّاه من دلالتها على الإمامة ، منهم ابن أبي الحديد حيث قال ـ في شرحه بعد ما ذكر كلام أمير المؤمنين عليهالسلام بعد قتل عثمان في وصف آل محمّد عليهمالسلام : «هم عماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحَق التالي ، ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة» إلى آخره ـ : أمّا الوصيّة فلا ريب عندنا أنّ عليّاً عليهالسلام كان وصيّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وإن خالف في ذلك مَن هو منسوب عندنا إلى العناد ، ولسنا نعني بالوصيّة النصّ والخلافة ، ولكن أُموراً أُخرى(١) ، انتهى كلامه .
وقد تبيّن ممّا ذكرنا فساده ، وأنّ الكلام الأخير منه أيضاً محض عنادٍ .
وجماعة اُخرى منهم احتذوا حذو السوفسطائيّة في إنكار الموجودات ولو كانت من المشاهَدات بالعين ، فصرّحوا بإنكار أصل الوصيّة ، ولم يبالوا بتكذيبهم جميع ما ورد في ذلك ممّا (أشرنا إلى شيءٍ منه وذكرناه)(٢) من المنقولات المتجاوزة عن حدّ الإحصاء بعين ما سيأتي في إنكارهم حكاية الغدير ، وتشبّثوا في ذلك ببعض أخبار الآحاد الّتي آثار الوضع فيها لائحة(٣) ومع هذا [هي] من المتشابهات التي إمكان تأويلها واضح .
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ : ١٣٩ .
(٢) بدل ما بين القوسين في «م» هكذا : «ما أشرنا إليه وما روي في ذلك وما ذكرناه» .
(٣) في «م» : «واضحة» بدل «لائحة» .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
