سوى ما رواه الشيعة قاطبة ممّا لم نذكره ؛ لكفاية ما مرّ في الحجّة على الخصم ؛ حيث إنّ كثرة ناقلي أصل العبارة الناصّة بالمنزلة ، حتّى عند القوم ؛ بحيث لا يتطرّق إليها احتمال التوهّم ، ولا التواطؤ على الكذب ، كما سيتّضح أيضاً ، وهو المراد بالتواتر ولا أقلّ من القطع بثبوته ، وكذا أصل تعدّد موارده ظاهر من هذه الأخبار ، بل متواتر معنىً ؛ ضرورة حصول العلم بوروده في غير موضع واحد عند ملاحظة جميع هذه الأخبار .
هذا كلّه ، مع وجود القرائن الموجبة للقطع بصحّته وعموم مفاده ، التي منها ما سيأتي من أخبار الوزارة والأُخوّة وأمثالهما ، وما مرّ في سدّ الأبواب وغير ذلك ممّا لا يخفى دلالته على النبيه الذي يتتبّع ما مضى ويأتي .
وإذ قد عرفت هذا ، فاعلم أنّه يظهر ممّا تبيّن أُمور :
الأوّل : ما مرّ مراراً من أنّ عادة المخالفين جرت على إنكار كلّ شيءٍ يضرّهم ولو كان واضح الثبوت حتّى عندهم من غير أن يبالوا بأنّ هذا وإن أمكن أن يتعدّى على بعض الجهّال بالحال إلاّ أنّه ممّا يفتضح به صاحبه عند أهل العلم والمطّلع على الأحوال ، فإنّ من جملته هذا المقام ؛ إذ قد ظهر عياناً أنّ هذا الخبر قد وصل إلى حدّ تلك المرتبة التي ذكرناها صحّةً وثبوتاً عندهم ، فضلاً عمّا هو فيه عندنا ، ومع هذا عاند الآمِدي(١) فأنكر صحّته(٢) ، ولم يعلم أنّ مَثَله حينئذٍ كمَثَل عبدٍ لرجلٍ أنكر شيئاً من أوامر سيّده حيث لم يعلم به ، فجيء له في ذلك بشهود كثيرين جدّاً من أصحابه وعدوله ، فأخبروه صريحاً بأنّ سيّده قال ذلك ، بل و فيهم المشايخ الذين هم ثقاته وعلماؤه الذين كلّ اعتماده عليهم في قوله وفعله ، بل هم أئمّته في
(١) هو عليّ بن محمّد بن سالم ، يكنّى أبا الحسن ، الملقّب سيف الدين الآمِدي ، كان في أوّل اشتغاله حنبليّ المذهب ، ثمّ انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ، كان يترك الصلاة ، ونفي من دمشق لسوء اعتقاده . له كتب منها : الإحكام في أُصول الأحكام ، وغيره .
مات سنة ٦٣١ هـ .
انظر : وفيات الأعيان ٣ : ٢٩٣/٤٣٢ ، وميزان الاعتدال ٢ : ٢٥٩/٣٦٤٧ ، والأعلام ٤ : ٣٣٢ .
(٢) أبكار الأفكار ٣ : ٤٧٨ ـ ٤٧٩ ، ونقله عنه ابن حجر في الصواعق المحرقة : ٧٣ ، شرح المواقف ٨ : ٣٦٢ ـ ٣٦٣ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
