في كتاب «معاني الأخبار» ، وهو الاستشهاد بما بيّنّا ثبوته ، بل تواتره من قوله صلىاللهعليهوآله : «ألست أولى بكم من أنفسكم» أو «بالمؤمنين من أنفسهم» على اختلاف الروايات ، فقال الصدوق ـ بعد أن ذكر مثل ما مرّ في المسلك السابق ـ : وممّا يؤكّد ذلك أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال أوّلاً : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» ، ثمّ قال بعد قولهم : بلى ، من غير فصل : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» فدلّ ذلك على أنّ معنى «مولاه» هو أنّه أولى بهم من أنفسهم ؛ لأنّ المشهور في اللغة والعرف أنّ الرجل إذا قال لرجل : إنّك أولى بي من نفسي ، فقد جعله مطاعاً آمراً عليه ، ولا يجوز أن يعصيه ، وإنّا لو أخذنا بيعةً على رجل وأقرّ بأنّا أولى به من نفسه لم يكن له أن يخالفنا في شيء ممّا نأمره به ؛ لأنّه إن خالفنا بطل معنى إقراره بأنّا أولى به من نفسه ؛ ولأنّ العرب أيضاً إذا أمر إنسان منهم إنساناً بشيءٍ وألزمه بالعمل به وأراد ذلك الإنسان عصيانه ومخالفته ، قال له : يا هذا أنا أولى بنفسي منك ، إنّ لي أن أفعل بها ما اُريد ، وليس ذلك لك منّي ، فإذا كان قول الإنسان : أنا أولى بنفسي منك ، يوجب له أن يفعل بنفسه ما يشاء إذا كان في الحقيقة أولى بنفسه من غيره ، كان قول الإنسان أيضاً : أنت أولى بنفسي منّي ، يوجب لمن هو أولى بنفسه منه أن يفعل به ما يشاء ، وليس لذاك أن يخالفه ولا أن يعصيه(١) .
أقول : وقد مرّ في أخبار المقام الأوّل عن حذيفة ما يدلّ على هذا المعنى ، حيث قال : سألنا النبيَّ صلىاللهعليهوآله عن معنى «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم» فقال صلىاللهعليهوآله : «السمع والطاعة فيما أحببتم وكرهتم»(٢) .
ويؤيّده ما رواه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجة في صحاحهم ، وابن حنبل في مسنده عن جابر ، قال : قال النبيّ صلىاللهعليهوآله : «أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه ، من ترك مالاً فلأهله ، ومن ترك دَيْناً أو ضياعاً(٣) فإلَيَّ وعلَيَّ وأنا
(١) معاني الأخبار : ٦٧/٨ ، وعنه في بحار الأنوار ٣٧ : ٢٣٦ .
(٢) إقبال الأعمال : ٤٥٤ .
(٣) الضياع ، بفتح الضاد : العيال . انظر القريبين في القرآن والحديث للهروي ٤ : ١١٤٩ ، لسان العرب ٨ : ٢٣١ ، مادّة «ـــــــــ» .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
