يوميه فمحروم ، ومن لم يبال بما زوى (١) من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى ، ومن كان فينقص فالموت خير له .
إن الدنيا خضرة حلوة ولها أهل ، وإن الآخرة لها أهل ظلفت (٢) أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا ، لا ينافسون في الدنيا، ولا يفرحون بغضارتها ، ولا يحزنون لبؤسها .
يا شيخ ، من خاف البيات قل نومه ، ما أسرع الليالي والأيام في عمرالعبد ، فاخزن لسانك ، وعد كلامك ، يقل كلامك إلا بخير .
يا شيخ ، أرض للناس ما ترضى لنفسك ، وآت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك » .
ثم أقبل على أصحابه وقال : «أيها الناس ، أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى، فبين صريع يتلوى ، وبين عائد ومعود ، وآخر بنفسه يجود ، وآخر لا يرجى ، وآخر مسجى ، وطالب الدنيا ،والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وعلى أثر الماضي يصيرالباقي .
إن الله خلق خلقاً ضيق عليهم الدنيا نظراً لهم ، فزهدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه ، وصبروا على ضيق المعيشة ، وصبروا على المكروه، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة ،وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان من الله ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة ، فلقوا
____________________
(١) في المصدر : «زري .
(٢) أي كفت : « الصحاح ـ ظلف ـ ١٣٩٩٤ » .
وفي المصدر : « طلقت » .
![مشكاة الأنوار في غرر الأخبار [ ج ١ ] مشكاة الأنوار في غرر الأخبار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4666_Meshkat-Anwar-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
