وهي التي يلتفت الذهن إليها في أول سماع الحكم ، كقوله ﷺ : لا يقضي القاضي وهو غضبان (١) ، فإن الذهن يلتفت عند سماع هذا الكلام إلى أن الغضب إنما منع من الحكم لكونه مانعاً من استيفاء الفكرة، وقد تكون خفية ، وهي ما لا يكون كذلك ، ولا شك في تقدم الجلي على الخفي .
وأما الثاني : وهو ترجيح بعض المناسبات على بعض بأمور خارجة ، فهو على وجوه :
الأول : المناسبة المعتضدة بسائر الطرق من الإيماء والدوران والسبر راجحة على ما لا يكون كذلك ويرجع حاصله إلى الترجيح بكثرة الأدلة .
الثاني : المناسبة الخالية عن المعارض راجحة على ما لا يكون كذلك ؛ فإن المناسبة وإن لم تبطل بالمعارضة لكنها مرجوحة بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك .
الثالث : المناسب من وجهين راجح على المناسب من وجه واحد ،
وكذا ما زاد على الاثنين بالنسبة إلى الاثنين ، وهكذا .
أما الدوران : فإن الحاصل في صورة واحدة راجح على الحاصل في صورتين ؛ لقلة احتمال الخطأ في الأول دون الثاني ، فإن العصير لم يكن مسكراً فلم يكن محرماً ، فإذا صار مسكراً صار محرماً ، فإذا زالت صفة الإسكار زالت الحرمة ، فهنا يعلم أن شيئاً من الصفات الباقية في الأحوال الثلاثة لا يصلح لعلية هذا الحكم ؛ وإلا وجدت العلة بدون الحكم ، وهو خلاف الأصل .
(١) ورد بتفاوت في الكافي ٧ ٢٫٤١٣ ، كتاب القضاء والأحكام ، سنن أبي داؤد ٣ : ٣٠٢ ٫ ٣٥٨٩ ، كتاب الأقضية ، باب القاضي يقضي وهو غضبان ، سنن ابن ماجة
٢ : ٢٣١٦٫٧٧٦ ، كتاب الأحكام ، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان ، سنن البيهقي
١: ١٠٥، کتاب آداب القاضي ، باب لا يقضي وهو غضبان .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
