(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ) (١).
فالأفعال المذكورة في الآية بصيغة المضارع مثل قوله : يزجي أي (يحرك) وقوله : ثم يؤلف أي (يركّب بينها) وقوله : (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً) : أي (متراكمة متكاثفة) تكشف عن كونه كل يوم هو في شأن وأن أمر الخلق والايجاد بعد مستمر ولم يفرغ هو عن أمره.
وكما أن أمره بعد مستمر فهكذا التدبير ، فهو مستمر باستمرار الخلقة ، فهو ما زال خالقا ومدبرا ولأجل ذلك قال سبحانه : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٢).
نرى أنه سبحانه ينسب التدبير لنفسه بعد نسبة الخلق إليها ، ويقيّد تأثير كل علة سواه باذنه فالمراد من الشفيع هو العلة المؤثرة من العلل التكوينية وهو من الشفع بمعنى الزوج فكان نظام العلية مشفوعا إلى إرادة الله ومستمدا من قدرته ، يؤثر فيما يؤثر من المظاهر الطبيعية والآثار المادية على أن التدبير لا ينفك عن الخلق ، وهو الخالق الوحيد ، كما هو المدبر الوحيد (٣).
__________________
(١) النور آية ٤٣.
(٢) يونس آية ٣.
(٣) لاحظ مفاهيم القرآن ج ١ ص ٣٠٦.
