مسألة ٣٤٩: لو كان عليه ديون متعدّدة فقضى بعضها في مرض الموت
و خصّص بعض الغرماء بالقضاء، فإن وفت التركة بباقي الديون، لم يكن لسائر الغرماء عليه اعتراض إجماعا.
و إن قصرت التركة عن الديون، احتمل أن يشاركه باقي الغرماء فيما أخذه، و يرجعوا عليه - و به قال أبو حنيفة(١) - لأنّ حقوقهم تعلّقت بما له بمرضه، فلهم منعه من تصرّفه فيه بما ينقص ديونهم، كتبرّعه، و لأنّه لو وصّى بقضاء بعض الديون دون بعض لم يكن له ذلك، فكذا إذا قضاها.
و الثاني(٢): أنّه يمضى و لا يشاركه الغرماء، و لا يملكون الاعتراض عليه - و به قال الشافعي(٣) - لأنّه أدّى واجبا عليه فصحّ، كما لو اشترى شيئا فأدّى ثمنه أو باع بعض ماله و سلّمه، بخلاف الوصيّة، فإنّه لو اشترى ثيابا مثمنة صحّ، و لو وصّى بتكفينه في ثياب مثمنة لم يصح، فثبت أنّ إيفاء ثمن المبيع قضاء لبعض غرمائه، و قد صحّ عقيب البيع، فكذلك إذا تراخى عنه؛ إذ لا أثر لتراخيه.
مسألة ٣٥٠: لو باع المريض جميع تركته أو بعضها بثمن المثل أو أكثر،
نفذ البيع من رأس المال إجماعا؛ إذ لا نقص فيه على الوارث، فإنّ أعيان الأموال لا أثر لها في زيادة الماليّة و نقصها مع تساوي القيمة، و لا فرق بين أن يبيع من الوارث أو الأجنبيّ، و سواء كان غريما أو غير غريم.
و لو باع بمحاباة، فإن كانت يسيرة يتسامح بمثلها فكما لو باع بثمن المثل، و إن كانت أكثر من ذلك اعتبرت من الثّلث، و إن لم تخرج من
١- التهذيب - للبغوي - ١١٢:٥، المغني ٥٣٨:٦، الشرح الكبير ٣٢٠:٦.
٢- أي: الاحتمال الثاني.
٣- التهذيب - للبغوي - ١١٢:٥، المغني ٥٣٩:٦، الشرح الكبير ٣٢٠:٦.
الثّلث، فإن أجاز الوارث نفذ البيع في الكلّ، و إلاّ بطل في الزائد عن الثّلث.
و أمّا ما يحتمله الثّلث فيصحّ البيع فيه عندنا، و يثبت له الخيار؛ لتبعّض الصفقة عليه، و هو أحد قولي الشافعي، و الثاني: يبطل البيع باعتبار تفريق الصفقة(١).
و لا خلاف في أنّ له أن يشتري مهما شاء بثمن المثل أو أزيد، و يبيع كذلك من غير معارضة، و كذا يتلذّذ في مشروبه و مأكوله و دوائه و ينفق على نفسه من الملاذّ و الشهوات، مثل: التسرّي و غيره و شراء الأدوية و الإماء إجماعا.
ثمّ المحاباة المعتبرة من الثّلث كلّ ما يزيد على ثمن المثل، أو ما يزيد على ما يتغابن الناس بمثله ؟ فيه احتمال.
مسألة ٣٥١: معنى المحاباة هي أن يعاوض بماله،
و يسمح لمن عاوضه ببعض عوضه.
و قيل: إنّه إزالة الملك عن مال مجّانا(٢).
و قيل: إنّه إزالة الملك عن ماله بغير ثمن المثل من غير استحقاق(٣).
فإذا حابى المريض في البيع و الشراء، كان العقد صحيحا، و لا يمنع ذلك صحّة العقد في قول عامّة أهل العلم(٤) ؛ لعموم قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (٥) و لأنّه تصرّف صدر من أهله في محلّه فصحّ، كغير المريض.
١- ينظر: الحاوي الكبير ٢٩٣:٨.
٢- قاله الغزالي في الوسيط ٤٢٣:٤، و النووي في روضة الطالبين ١٢٦:٥.
٣- قاله الغزالي في الوجيز ٢٧٢:١.
٤- المغني ٥٤٩:٦، الشرح الكبير ٣٢٤:٦.
٥- سورة البقرة: ٢٧٥.
![تذكرة الفقهاء [ ج ٢٢ ] تذكرة الفقهاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4581_Tathkerah-Foqaha-part22%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

