و الشكر، و المسيء يستحقّ الذمّ و اللوم، و يعدّ ذامّ المحسن إليه دائما و شاكر المسيء إليه دائما من أسفه الناس و أجهلهم، و أنّ من خيّر بين الصدق و الكذب مع تساويهما في جميع المنافع فإنّه يختار الصدق على الكذب، و لو لا قضاء الضرورة بالفرق بينهما لما اختار العاقل الصدق على الكذب.
و منها: أنّه يجوز من اللّه تعالى على تقدير نفي الحسن و القبح العقليّين تعذيب المطيع دائما و إثابة العاصي دائما، فيدخل محمّدا صلّى اللّه عليه و اله النار حيث أطاعه و يعذّبه فيها دائما، و يدخل إبليس الجنّة حيث عصاه و يخلّده فيها دائما، و من يجوّز ذلك فإنّه لا شكّ [أنّه] من أجهل الناس.
و منها: أنّهم قالوا: إنّ اللّه تعالى لا يعذّب العاصي بعصيانه و لا يثيب المطيع بطاعته، بل قبضه إلى الجنّة و لا يبالي و قبضه إلى النار و لا يبالي، و حينئذ لا أسفه و لا أشدّ بلها و لا جهلا من الزاهد في الدنيا الباذل ماله في عمارة المساجد و الرّبط و القناطر و معونة الحاجّ و مساعدة العلماء و القرّاء و المشايخ و بذل المعروف، و التارك للملاهي و أنواع المعاصي و الطرب و القمار و الزنا و شرب الخمر و الظلم، الخائف من اللّه تعالى، حيث إنّ ذلك قد يكون سببا لأشدّ العذاب، و لا عقل أتمّ ممّن يتعجّل باستعمال الملاذّ و الملاهي المحرّمة و سائر أنواع اللعب و الظلم و الجور و أخذ الأموال من غير مظانّها، و اعتماد كلّ محرّم فيه منفعة دنيويّة، حيث إنّ ذلك قد يكون سببا للنعيم المخلّد، و بالجملة لا فرق في التأدية إلى النعيم أو العذاب بين غاية الطاعات و نهاية المعاصي، و أيّ جهل أعظم من اعتقاد ذلك ؟
و منها: تجويز صدور أنواع الظلم و العذاب من اللّه تعالى في حقّ من لا يستحقّ ذلك؛ لأنّه ليس بقبيح، و أن يمنع كلّ مستحقّ عن حقّه حيث
لا قبح فيه، بل هو عندهم نفس الواقع، حيث كلّف من لا يقدر على فعل و لا يتمكّن من ترك.
و هذا أيضا لازم لهم من جهة أخرى، فإنّهم قالوا: القدرة غير متقدّمة على الفعل، فحينئذ الفعل حالة وقوعه يكون واجبا، و حال عدمه يكون ممتنعا، و الواجب غير مقدور عليه، و قبل وقوع الفعل لا قدرة، و حال القدرة لا فعل، و التكليف عندهم لا يتقدّم الفعل، فقد كلّف ما لا يطاق، و يلزمهم من هذه الحيثيّة انتفاء العصيان من الكافر و الفاسق؛ لأنّ المعصية هي ترك ما أمر به، و الفعل قبل وقوعه غير مكلّف به، فلا يكون تاركه مخالفا للأمر، فلا يكون عاصيا.
و منها: أنّه يلزم انتفاء فائدة التكليف؛ لأنّ التكليف هو البعث على فعل الطاعة و الانتهاء عن المعصية حتى يحصل الثواب و العقاب، و مع انتفاء الحسن و القبح العقليّين يجوز الخلف في خبر اللّه تعالى و وعده و وعيده و بعثه الرّسل الكذّابين، و إذا لم يبق وثوق بوعد اللّه تعالى و وعيده و لا بصدقه و لا بصدق رسله كيف يمتثل العبد ما كلّف به، فإنّ في المشاهد لو كلّف السيّد عبده بشيء و تهدّده على تركه و وعده على فعله و علم العبد أنّ سيّده يكذب في ذلك كلّه و أنّه يجوز أن يفعل السيّد به أنواع العذاب لو امتثل أمره لعلم بالضرورة عدم إقدام العبد على ذلك الفعل، بل يتعجّل راحة ترك التكليف.
و منها: أنّه يلزم أن لا يحصل الجزم بصدق أحد من الأنبياء ألبتّة؛ لأنّه على تقدير نفي الحسن و القبح العقليّين يجوز إظهار المعجزات على يد الكذّاب، فإذا ادّعى الرسول الرسالة ثمّ ظهرت على يده المعجزات الباهرة جاز أن يكون كاذبا و أن يكون اللّه تعالى قد أقدره على ذلك طلبا لإضلال
عباده؛ إذ لا قبح فيه، و لا فرق بين طلب الإضلال و طلب الإرشاد، فيكون الجزم بصدق مدّعي الرسالة جهلا، و لا فرق بين مدّعي الرسالة مع إظهار المعجزات و مدّعيها بغير معجزة ألبتّة، فإنّ الجزم بصدق أحدهما و كذب الآخر جهل، و كلّ ذلك من أعظم الجهالات.
و أيضا قال أهل السّنّة و الجماعة: إنّ الغرض على اللّه تعالى في أفعاله محال، و إنّه تعالى يفعل لا لغرض.
و هذا يلزم منه محالات:
أحدها: أنّه يلزم منه محالات:
أحدها: أنّه يلزم منه العبث على اللّه تعالى و اللعب في أفعاله، و هو محال؛ لوجهين:
الأوّل: أنّه يدلّ على النقص العظيم، فإنّ المشتغل دائما باللعب و العبث يعدّ سفيها جاهلا، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، و من أجهل ممّن يعتقد الجهل في حقّ اللّه تعالى ؟
الثاني: أنّه يدلّ على تكذيب القرآن في قوله تعالى: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١)وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢) فنسب من قال بهذه المقالة إلى الكفر، و وعدهم بالويل من النار فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٣).
و ثانيها: أنّه يلزم منه تكذيب القرآن العزيز في الآيات التي ذكر فيها٨.
١- سورة الأنبياء: ١٦.
٢- سورة ص: ٢٧.
٣- سورة النساء: ٧٨.
![تذكرة الفقهاء [ ج ٢١ ] تذكرة الفقهاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4580_Tathkerah-Foqaha-part21%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

