فإنّ من سلب التصرّف في نفسه كان سلب تصرّفه في غيره أولى، قال اللّه تعالى: ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ (١) و قال تعالى: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ (٢).
مسألة ٦٢: لا يصحّ أن يقف الشخص على نفسه،
و لو وقف على نفسه ثمّ على الفقراء و المساكين، لم يصح وقفه على نفسه عند علمائنا - و هو أصحّ قولي الشافعي، و به قال مالك و محمّد بن الحسن(٣) - لأنّ الوقف إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع و الهبة، و لأنّ الوقف تمليك من الواقف و إدخال ملك على الموقوف عليه، و الملك هنا متحقّق ثابت لا يعقل إدخاله و تجديده مع ثبوته؛ لعدم قبوله للشدّة و الضعف، و عدم تعقّل زواله قبله عنه، و لأنّ الوقف تمليك منفعة وحدها أو مع الرقبة و الإنسان لا يملّك نفسه.
و القول الثاني للشافعي: إنّه يصحّ الوقف و الشرط - و به قال أحمد و ابن أبي ليلى و ابن شبرمة و أبو يوسف و أبو عبد اللّه الزبيري - لأنّ استحقاق الشيء وقفا غير استحقاقه ملكا، و قد يقصد حبسه و منع نفسه من التصرّف المزيل للملك، و هو اختيار ابن سريج من الشافعيّة؛ لأنّ عمر لمّا وقف
١- سورة النحل: ٧٥.
٢- سورة الروم: ٢٨.
٣- الحاوي الكبير ٥٢٥:٧، المهذّب - للشيرازي - ٤٤٨:١، الوسيط ٢٤٣:٤، حلية العلماء ١٥:٦، التهذيب - للبغوي - ٥١٢:٤، البيان ٥٥:٨، العزيز شرح الوجيز ٢٥٧:٦، روضة الطالبين ٣٨٣:٤، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ١١٩٧/٦٧٣:٢، عقد الجواهر الثمينة ٩٦٤:٣، الذخيرة ٣١١:٦، مختصر القدوري: ١٢٨، الهداية - للمرغيناني - ١٧:٣-١٨، الاختيار لتعليل المختار ٣: ٥٩، المغني و الشرح الكبير ٢١٦:٦.
قال: و لا بأس على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا غير متموّل فيه، و كان الوقف في يده إلى أن مات، و لأنّه لو وقف عامّا كالمسجد و السقاية، كان له الانتفاع به، فكذا هنا(١).
و جعل الشيء وقفا على نفسه غير صحيح؛ لما بيّنّا من أنّ الداخل في الملك لا يصلح دخوله فيه؛ لأنّه تحصيل الحاصل، و فعل عمر لا حجّة فيه، مع أنّا نقول بموجبه، فإنّ شرط نفع المتولّي جائز، و دخوله في الوقف العامّ ليس بالقصد الأوّل.
و قال بعض الشافعيّة: يصحّ الوقف، و يلغو شرطه و إضافته إلى نفسه؛ بناء على أنّه لو اقتصر على قوله: «وقفت» صحّ الوقف(٢).
و كذا لو وقف على من لا يجوز الوقف عليه مطلقا ثمّ على من يجوز، مثل: أن يقف على المعدوم ثمّ على الموجود.
و لو وقف على غيره ممّن يصحّ الوقف عليه و شرط أن يقضي من ريع الوقف زكاته و ديونه و أن يخرج منه ما يحتاج إليه في نفقته و إدرار مؤونته، لم يصح؛ لأنّه وقف منه على نفسه و غيره.
و للشافعي القولان(٣).
و كذا لو شرط أن يأكل من ثماره أو ينتفع به.٤.
١- الحاوي الكبير ٥٢٥:٧، المهذّب - للشيرازي - ٤٤٨:١، الوسيط ٢٤٣:٤، حلية العلماء ١٦:٦، التهذيب - للبغوي - ٥١٢:٤، البيان ٥٥:٨، العزيز شرح الوجيز ٢٥٧:٦، روضة الطالبين ٣٨٣:٤، المغني ٢١٥:٦-٢١٦، الشرح الكبير ٢١٦:٦ و ٢١٧، مختصر القدوري: ١٢٨، الهداية - للمرغيناني - ١٧:٣ - ١٨، الاختيار لتعليل المختار ٥٩:٣، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢: ١١٩٧/٦٧٣.
٢- العزيز شرح الوجيز ٢٥٧:٦، روضة الطالبين ٣٨٣:٤.
٣- العزيز شرح الوجيز ٢٥٧:٦، روضة الطالبين ٣٨٣:٤.
![تذكرة الفقهاء [ ج ٢٠ ] تذكرة الفقهاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4579_Tathkerah-Foqaha-part20%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

