بالحيرة زمن الغيبة ـ الّتي هي رأس كلّ بليّة وحيرة (١) ـ ، ومن لاحظ الكتب المصنّفة في الغيبة ظهر له أنّ إطلاق لفظ الحيرة على زمن الغيبة شائع ذائع في لسان الأخبار والمحدّثين.
وعلى كلّ حال ؛ فالخبر المزبور قاصر عن معارضة التوثيقات المستفيضة
__________________
(١) توضيح ذلك : أنّ الشيعة الإماميّة ـ رفع اللّه سبحانه شأنهم ، ووحّد كلمتهم ، وأهلك عدوّهم ـ ، بعد وفاة الإمام العسكري عليه السلام وقعوا في حيرة عظيمة ، فمن قائل إنّ الإمام عليه السلام لم يعقب ، مع اعتقادهم بأنّه لا بدّ من إمام ثاني عشر ، هو خاتم الوصيين ، وحجّة اللّه في الأرض على الخلق أجمعين ، به يملأ اللّه الأرض قسطا وعدلا ، فالحيرة كانت بين كون عدم عقب ظاهر مشاهد للناس ، وبين اعتقادهم الجازم بأنّه لا بدّ من وجود إمام ثاني عشر حسب ما وردت به الآثار عن الرسول الكريم والأئمّة الهداة المهديين ، وعلى هذا فمن المعلوم أنّ محمّد بن يحيى أراد بقوله : وددت أنّ هذا الخبر جاء من غير جهة أحمد بن أبي عبد اللّه .. ليس إلاّ أنّ أحمد بن محمّد بن أبي عبد اللّه كان في زمن الغيبة حيّا يرزق ، ولو كانت الرواية رويت قبل الغيبة عن رجل تقدّم على زمن الغيبة كانت الرواية إخبارا عن المغيب قبل وقوعه ، وكانت الرواية حجّة في إثبات وجود الإمام الثاني عشر ـ عجّل اللّه فرجه الشريف وجعلنا من أعوانه وأنصاره ـ وغيبته ، ومحمّد بن الحسن الصفّار رحمه اللّه فهم هذا المعنى من كلام محمّد ابن يحيى فأجابه بقوله : لقد حدّثني قبل الحيرة بعشر سنين .. أي الّذي وددته حاصل ، وهو رواية الخبر قبل وقوع الغيبة بعشر سنين ، فالرواية ليست دالّة على ذمّ لأحمد بن أبي عبد اللّه أصلا ، بل ربّما يستفاد منها مدح عظيم للبرقي ، حيث إنّ الصفّار ـ وهو معلوم الجلالة والوثاقة ـ استند في إثبات أمر خطير برواية المترجم ، وكذلك محمّد بن يحيى الثقة الجليل لم يناقش في الراوي ، بل كأنّ جلالة الراوي ووثاقته غير قابلة للنقاش عنده ، بل ودّ أن تكون رواية الراوي قبل الغيبة.
ولا ينقضي عجبي كيف خفي هذا المعنى على فطاحل العلماء ، وأساطين الفنّ ، مع أنّه غير خفّي على من اطلع على حياة الشيعة ، ووضعهم الاجتماعي ، والضغط الّذي كانوا يلاقونه من أئمّة الجور والضلال ، فالحقّ الصريح والقول الفصل ما أفاده المؤلّف قدّس سرّه ورفع في الجنان محلّه ، وأشار إلى ما قلناه السيّد بحر العلوم في رجاله ٣٤٢/١ ، فراجع.
![تنقيح المقال [ ج ٧ ] تنقيح المقال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4575_tanqih-almaqal-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
