بدخوله في ساقيته عن حيّز الشركاء، و انتفى جواز تصرّفهم فيه، فكان له أن يسقي منه ما شاء، كما لو انفرد به من أصله.
و قال أكثر الشافعيّة: ليس له أن يسقي بمائه المختصّ به أرضا ليس لها رسم شرب من هذا الماء، سواء كانت له أو لغيره؛ لدلالة ذلك على أنّ لها سهما من هذا الماء، فربما جعل سقيها منه دليلا على استحقاقها لذلك فيتضرّر الشركاء، كما لو كانت له دار بابها في درب لا ينفذ و دار بابها في درب آخر ظهرها ملاصق لظهر داره الأولى فأراد تنفيذ إحداهما إلى الأخرى لم يجز؛ لأنّه يجعل لنفسه استطراقا من كلّ واحدة من الدارين(١).
و نمنع حكم الأصل، بل له فتح باب من إحدى الدارين إلى الأخرى، بل رفع الحائط الحاجز بينهما. سلّمنا، لكن الفرق ظاهر؛ فإنّ الدار لا يستطرق منها إلى الدرب، و إنّما يستطرق إلى الأخرى و من الأخرى إلى الدرب، و هنا يحمل الماء في الساقية إليها فيصير لها رسم في الشّرب.
و لأنّ كلّ دار يخرج منها إلى درب مشترك؛ لأنّ الظاهر أنّ لكلّ دار سكّانا [فيجعل لسكّان كلّ واحدة منهما](٢) استطراقا إلى درب غير نافذ لم يكن لهم حقّ في استطراقه، و هنا إنّما يسقي من ساقيته المفردة التي لا يشاركه غيره فيها، فلو صار لتلك الأرض رسم من الشّرب من ساقيته لم يتضرّر بذلك أحد.
و لو كان يسقي من هذا النهر بدولاب فأراد أن يسقي بذلك الماءق.
١- المهذّب - للشيرازي - ٤٣٦:١، حلية العلماء ٥١٧:٥، البيان ٤٣٦:٧-٤٣٧، المغني ١٩٢:٦-١٩٣، الشرح الكبير ١٩٨:٦.
٢- بدل ما بين المعقوفين في النّسخ الخطّيّة و الحجريّة: «و أنّ لكلّ واحد منها». و المثبت كما في المغني ١٩٣:٦، و الشرح الكبير ١٩٨:٦، حيث يقتضيه السياق.
أرضا لا رسم لها في الشّرب من ذلك النهر، فالخلاف كما تقدّم.
و إن كان الدولاب يغرف من نهر غير مملوك، جاز أن يسقي بنصيبه من الماء أرضا لا رسم لها في الشّرب منه إجماعا، فإن ضاق الماء قدّم الأسبق فالأسبق على ما تقدّم.
إذا ثبت هذا، فلكلّ واحد من الشركاء أن يتصرّف في ساقيته المختصّة به بما أحبّ من إجراء غير هذا الماء فيها أو عمل رحى عليها أو دولاب أو عبّارة، و هي خشبة تمدّ على طرفي النهر، أو قنطرة يعبر الماء فيها، و غير ذلك من التصرّفات؛ لأنّها ملكه لا حقّ لغيره فيها، بخلاف النهر المشترك، فإنّه ليس لأحد الشركاء فعل ذلك فيه إلاّ بإذن جميع أربابه.
و لو أراد أحد الشركاء أن يأخذ من ماء النهر قبل قسمته شيئا يسقي به أرضا في أوّل النهر أو في غيره، أو أراد إنسان غيرهم ذلك، لم يجز؛ لأنّهم صاروا أحقّ بالماء الجاري في نهرهم من غيرهم، و لأنّ الأخذ من الماء ربما احتاج إلى تصرّف في حافّة النهر المملوك لغيره أو المشترك بينه و بين غيره.
و لو فاض ماء هذا النهر إلى ملك إنسان فهو مباح، كالطائر يعشعش في ملك إنسان.
و مذهب الشافعي(١) في ذلك كلّه كما قلناه.
و لو كان النهر مشتركا و قسّموا ماءه بالمهايأة إمّا بالأيّام أو بالساعات المضبوطة أو بمنازل القمر ليلا مع الضبط فحصل لأحدهم الماء في نوبته فأراد أن يسقي به أرضا ليس لها رسم شرب من هذا أو يؤثر به إنسانا أو يقرضه إيّاه على وجه لا يتصرّف في حافّة النهر، جاز.٦.
١- المغني ١٩٤:٦، الشرح الكبير ٢٠٠:٦.
![تذكرة الفقهاء [ ج ١٩ ] تذكرة الفقهاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4573_Tathkerah-Foqaha-part19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

