تذنيب: كما أنّ موضع الجلوس يختصّ بالجالس فلا يزاحم فيه، كذا ما حوله قدر ما يحتاج إليه لوضع متاعه و وقوف المعاملين فيه، و ليس لغيره أن يقعد حيث يمنع من رؤية متاعه أو وصول المعاملين إليه أو يضيق عليه الكيل و الوزن و الأخذ و العطاء.
هذا في المستوطن، أمّا المتردّد الجوّال الذي يقعد كلّ يوم في موضع من السوق فيبطل حقّه إذا فارق المكان، و ما تقدّم من أولويّة الجالس إنّما هو مفروض في غيره.
تنبيه: إنّما يجوز الجلوس للبيع و الشراء في المواضع المتّسعة كالرحاب؛ نظرا إلى العادة، و لئلاّ يتضرّر المارّة و يحصل الضيق على المسلمين.
مسألة ١١٦٩: المسجد كالسوق يستوي فيه المسلمون،
و كلّ من جلس في موضع منه كان أولى من غيره.
و الجلوس في المسجد قد يكون لتدريس القرآن أو الفقه أو الاستفتاء، و حكمه حكم مقاعد الأسواق إذا قام بنيّة العود إليه كان أولى من غيره، فليس لغيره الجلوس عوضه قبل استيفاء غرضه، قاله بعض الشافعيّة(١).
و فيه نظر؛ لأنّ له غرضا في ملازمة ذلك الموضع فيألفه الناس.
و قال بعضهم بما قلناه أوّلا من أنّه متى قام بطل حقّه، و كان السابق إليه أحقّ؛ لقوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ (٢)(٣).
١- العزيز شرح الوجيز ٢٢٥:٦، روضة الطالبين ٣٦١:٤.
٢- سورة الحجّ: ٢٥.
٣- الحاوي الكبير ٤٩٦:٧، العزيز شرح الوجيز ٢٢٥:٦، روضة الطالبين ٤: ٣٦١.
أمّا لو كان رحله باقيا فيه، فإنّه يكون أولى، و إلاّ كان مع غيره سواء.
و لو استبق اثنان فتوافيا، فإن أمكن الجمع بينهما جاز، و إن لم يمكن أقرع.
و قد يكون الجلوس فيه للصلاة، فهو أحقّ من غيره ما دام مقيما، و لا يقتضي الاختصاص لما بعدها من الصلوات، بل متى قام و حضرت صلاة أخرى لم يكن له منع السابق فيها.
و كلّ من سبق في سائر الصلوات إلى ذلك الموضع فهو أحقّ، بخلاف مقاعد الأسواق؛ لأنّ غرض المعاملة يختلف باختلاف المقاعد، و الصلاة في بقاع المسجد لا تختلف.
إذا عرفت هذا، فلو سبق إلى مكان لأجل الصلاة كان أحقّ به، و ليس لغيره أن يزعجه، فإن فارقه إجابة لمن دعاه أو لرعاف أو قضاء حاجة أو تجديد وضوء، فالأقرب: أنّ اختصاصه لا يبطل - و هو أصحّ وجهي [الشافعيّة](١)(٢) - لما رواه العامّة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال: «إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحقّ به إذا عاد إليه»(٣).
و من طريق الخاصّة: قول أمير المؤمنين عليه السّلام: «سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق إلى مكان فهو أحقّ به إلى الليل»(٤).
و الثاني للشافعيّة: أنّه يبطل اختصاصه؛ لحصول المفارقة كمّا).
١- بدل ما بين المعقوفين في النّسخ الخطّيّة و الحجريّة: «الشافعي». و المثبت يقتضيه السياق.
٢- العزيز شرح الوجيز ٢٢٥:٦، روضة الطالبين ٣٦٢:٤.
٣- أورده الجويني في نهاية المطلب ٣١٨:٨، و الرافعي في العزيز شرح الوجيز ٦: ٢٢٥، و النووي في روضة الطالبين ٣٦٢:٤.
٤- تقدّم تخريجه في ص ٣٩٥، الهامش (٢).
![تذكرة الفقهاء [ ج ١٩ ] تذكرة الفقهاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4573_Tathkerah-Foqaha-part19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

