منافعه بجنايته، كما لو مزّق الثوب المغصوب خرقا أو شقّه طولا أو كسر قوائم الدابّة أو بعضها، لم يكن للمالك أن يغرّمه شيئا، إلاّ أن يترك المغصوب إليه، و كذا لو ذبح الشاة أو صبغ الثوب بما لا يقبل بعده لونا آخر و هو السواد(١).
و ليس بجيّد؛ لأنّ الأصل بقاء ملك المالك على العين.
و احتجاجه: بأنّه قد أتلف بجنايته معظم منفعته، فكان له المطالبة بالقيمة، كما لو قتل شاة له.
و هو غلط؛ لأنّ الشاة قد أتلفها بأسرها بالقتل، فوجب قيمة جميعها، و المتنازع فيه ليس كذلك؛ لأنّه جنى على مال أرشه دون قيمته، فلم تكن له المطالبة بجميع قيمته، كما لو كان الخرق يسيرا.
مسألة ١٠٥٥: إذا غصب أرضا و نقل التراب عن وجهها،
كان للمالك إجباره بردّه، و مطالبته بنقله إلى الأرض كما كان مبسوطا على الأرض إن كان التراب باقيا، فإن تلف و انمحق بهبوب الرياح أو السيول الجارية، أجبر على ردّ مثله إليه، و تجب عليه إعادة وضعه و هيئته كما كانت من انبساط أو ارتفاع.
و إن لم يطالبه المغصوب منه بالردّ، نظر إن كان له فيه غرض بأن دخل الأرض نقص و كان ذلك النقص يرتفع بالردّ و يندفع عنه الأرش، أو كان قد نقل التراب إلى ملكه فأراد تفريغه، أو إلى ملك غيره أو شارع يحذر من التعثّر به الضمان، فله الاستقلال بالردّ.
و إن لم يكن شيء من ذلك، بل نقله إلى موات أو من أحد طرفي
١- العزيز شرح الوجيز ٤٣٨:٥.
الأرض المغصوبة إلى الآخر، فإن منعه المالك من الردّ لم يردّه، و إن لم يمنعه فالأقرب: أنّ الغاصب يفتقر إلى إذن المالك.
و للشافعي وجهان؛ بناء على الوجهين في أنّه إذا منعه المالك من الردّ فردّ فهل للمالك مطالبته بالنقل ثانيا؟ إن قلنا: لا، فلا ردّ من غير إذن المالك، و إن قلنا: نعم، افتقر إلى إذنه، و هو الأظهر عندهم(١).
و إذا كان له غرض في الردّ فردّه إلى الأرض فمنعه المالك من بسطه، لم يكن له بسطه و إن كان في الأرض(٢) مبسوطا.
و كذا لو غصب نقرة فطبعها دراهم، كان للغاصب أن يسبكها نقرة كما كانت إن ضربها ناقصة عن عيار السلطان أو على غير سكّته؛ لأنّ له غرضا في ذلك، و هو أن يخاف عقاب السلطان على ذلك، لأنّ الضرب إلى السلطان وحده، فوجب أن يكون له سبكها.
مسألة ١٠٥٦: لو غصب أرضا فحفر فيها بئرا أو نهرا بغير إذن المالك،
فإنّه يجب عليه طمّها إذا أمره صاحبها بالطمّ؛ لأنّ ذلك يضرّ بالأرض، و لأنّه نقل التراب - و هو ملك صاحب الأرض - عن أرضه، فكان عليه ردّه و أجرة المثل لموضعها.
و إن لم يأمره المالك، كان له أن يستقلّ بالطمّ؛ ليدفع عن نفسه خطر الضمان لو تردّى فيها إنسان أو غيره، و لأنّه قد يكون للغاصب في الطمّ غرض، مثل: أن يكون قد نقل التراب إلى ملك نفسه فيحتاج إلى أن يردّه إلى البئر، أو كان قد طرحه في ملك غيره أو طريق المسلمين و له غرض
١- العزيز شرح الوجيز ٤٤٦:٥، روضة الطالبين ١٢٩:٤.
٢- في العزيز شرح الوجيز ٤٤٦:٥، و روضة الطالبين ١٣٠:٤: «الأصل» بدل «الأرض».
في ردّه.
و إن لم يكن له غرض في طمّ البئر بأن كان قد وضع التراب في ملك المغصوب منه، فإن منعه المالك من نقله و قال: قد أبرأتك ممّا حفرته و من وضع التراب و أذنت في بقائه و رضيت باستدامة البئر، فإن كان للغاصب في الطمّ غرض سوى دفع ضمان التردّي، فله الطمّ، و إن لم يكن له غرض سواه، لم يكن للغاصب طمّه - و به قال أبو حنيفة و المزني، و هو أظهر وجهي الشافعيّة(١) - لأنّه تصرّف مستأنف على جهة التعدّي في مال الغير و الغصب فكان حراما، و للمالك منعه منه.
و الثاني للشافعيّة: أنّ للغاصب الطمّ؛ لأنّ الإذن الطارئ لا يرفع حكم الحفر المتقدّم، و لأنّه لا يبرأ إذا أبرأه، لأنّه إبراء ممّا لم يجب بعد، و هو أيضا إبراء من حقّ غيره، و هو الواقع فيها(٢).
و الأوّل أصحّ؛ لأنّ الضمان إنّما يلزمه لوجود التعدّي منه، و إذا رضي صاحب الأرض فقد زال التعدّي فزال الضمان، و ليس بإبراء عمّا لم يجب، و إنّما هو إسقاط للتعدّي برضاه بذلك.
و لو لم يقل المالك: رضيت باستدامتها، و اقتصر على المنع من الطمّ، فهو كما لو صرّح بالرضا؛ لتضمّنه إيّاه، و هو أحد قولي الشافعيّة(٣).٤.
١- المغني ٣٨٣:٥، الشرح الكبير ٣٩٧:٥، مختصر المزني: ١١٨، الحاوي الكبير ١٧٤:٧، بحر المذهب ٥٤:٩-٥٥، البيان ٤٤:٧-٤٥، العزيز شرح الوجيز ٤٤٧:٥، روضة الطالبين ١٣٠:٤.
٢- بحر المذهب ٥٤:٩-٥٥، البيان ٤٥:٧، العزيز شرح الوجيز ٤٤٦:٥، روضة الطالبين ١٣٠:٤.
٣- العزيز شرح الوجيز ٤٤٧:٥، روضة الطالبين ١٣٠:٤.
![تذكرة الفقهاء [ ج ١٩ ] تذكرة الفقهاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4573_Tathkerah-Foqaha-part19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

