في حقّه، و بقي على الجواز في حقّ الآخر.
و الخلاف في أنّ المنضول هل ينفذ فسخه ؟ أجري في فسخ الجاعل الجعالة بعد ما أتى العامل ببعض العمل، و كانت حصّة عمله من المسمّى تزيد على أجرة المثل.
و لو شرطا في العقد أنّ لكلّ واحد منهما أن يجلس و يترك الرمي إن شاء، فسد العقد إن قلنا: إنّه لازم، و كذا إن جعلناه جائزا و قلنا: ليس للمنضول الترك و الإعراض، و إن قلنا: له ذلك، لم يضر شرطه، فإنّه مقتضى العقد.
و إن شرطا أنّ المسبق إن جلس كان عليه السّبق، فهو فاسد على القولين؛ لأنّ السبق إنّما يسوغ في العمل.
و لو كانا يتناضلان فنضل أحدهما الآخر بإصابات، فقال له المنضول:
حطّ فضلك و لك عليّ كذا، لم يجز، سواء جعلنا هذه المعاملة لازمة أو جائزة، و سواء جوّزنا إلحاق الزيادة أو لم نجوّز، فإنّ حطّ الفضل لا يقابل بالمال.
مسألة ٩٨٢: المؤمّن هو المؤتمن بين المتناضلين،
و يسمّى المشير و الموطن؛ لأنّه يشير على كلّ واحد منهما بقصد يده و مخرج سهمه و موطن موقفه، و يردّ عليه سهمه بعد رميه، و يخبر بصوابه أو خطئه، و عليه أن يعدل بين المتناضلين، و لا يميل إلى أحدهما فيجور، و لا يمدح أحدهما و يذمّ الآخر، بل يكون إمّا مادحا لهما أو ساكتا عنهما، و يعجّل ردّ سهم كلّ واحد منهما إليه، و لا يحبسه عنه فينسى حسن صنيعه، فإن خالف بالميل على أحدهما منع؛ لإضراره به.
و لو ساوى بينهما في إكثار الكلام و إطالته و حبس السهم في إعادته،
صار مضرّا بهما معا، و أمر بإقلال الكلام و تعجيل السهام؛ لأنّ كثرة كلامه مدهش، فإن كفّ و إلاّ استبدل به غيره ممّن يرتضيه المتناضلان، فإن اختلفا اختار الحاكم لهما مؤتمنا.
و كذا لو كان الكلام من أحد المتناضلين مدحا لنفسه بالإصابة و ذمّا لصاحبه بالخطأ، كفّ و منع، فإن أقام عليه و لم يقلع عنه عزّر، و لم يستبدل به؛ لتعيينه في العقد الذي لا يقوم غيره فيه مقامه.
و بالجملة، إذا طوّل أحد المتراميين الكلام بالتبجّح و الافتخار إذا أصاب أو بالتعنيف لصاحبه إذا أخطأ، منع منه.
و لو كلّم أحدهما إنسان، قيل له: أجب جوابا وسطا و لا تطوّل و لا تحبس القوم.
مسألة ٩٨٣: ينبغي أن يكون الراميان على اقتصاد في التثبّت من غير إبطاء و لا إعجال،
فإن طوّل أحدهما بعد أن تقدّم رمي صاحبه على الاقتصاد و تعلّل بعد ما رمى صاحبه بمسح القوس و الوتر و أخذ النبل بعد النبل و النظر فيه، قيل له: ارم لا مستعجلا و لا مبطئا؛ لأنّه قد يتعلّل لخطئه و قد يصيب صاحبه فيؤخّر لتبرد يده أو ينسى نهج الصواب.
و إن طوّل لتبرد يد صاحبه في السهم الذي رمى به فنسي صنيعه إن أصاب فلا يستنّ بصوابه أو أخطأ فلا يعدل عن سنّته في خطئه، فإن أمسك صاحبه عن الاستعتاب، ترك هذا المتباطئ على حاله، و إن استعتب وشكا، قيل للمتباطئ: ليس لك أن تضرّ بصاحبك في الإبطاء، كما ليس لصاحبك أن يضرّ بك في الإعجال، وعد إلى القصد في تثبّتك غير متباطئ و لا معجّل.
فإن قال: هذه عادتي لا أقدر على فراقها قطّ، فإن كان ذلك معروفا
منه، قيل لصاحبه: لا سبيل إلى تكليفه غير عادته و هو عيب فيه، أنت لأجله بالخيار بين مناضلته أو فسخه، و إن كان معروفا بخلاف ما ادّعاه، لم تقبل دعواه، و أخذ بالاعتدال في قصده جبرا ما أقام على عقده.
مسألة ٩٨٤: لو شرط أحدهما على صاحبه أنّه إذا أخطأ أعيد عليه السهم و لم يحتسب به في الخطأ و يجعل كلّ خطأين خطأ واحدا،
بطل العقد.
و كذا لو شرطا أنّه إذا أصاب اعتدّ صوابه و احتسب به إصابتين، بطل أيضا؛ لأنّ هذا العقد مبنيّ على التساوي و عدم التفاضل، فاشتراط تفاضلهما فيما فيه يجب تساويهما يكون شرطا لما ينافي مقتضى العقد، فيكون باطلا، و لأنّ مقصود هذا العقد معرفة أحذقهما و أشدّهما رميا، و لا يعلم مع مناضلة التفاضل حذق الحاذق.
مسألة ٩٨٥: من عادة الرّماة أخذ النبل بين أصابعهم،
و من أخذها أكثر كان رميه أضعف، فلو شرط أن يكون ما في يد أحدهما من النبل أكثر ممّا في يد الآخر، لم يصح؛ لأنّه مناف لهذه المعاملة التي مبناها على التساوي، و كذا لا يجوز أن يحسب خاسق أحدهما بخاسقين.
و لو كان الشرط الحوابي فشرط أن يحسب خاسق بحابيين، جاز - و هو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّ الخاسق يختصّ بالإصابة و الثبوت، فجاز أن تجعل تلك الزيادة قائمة مقام حاب.
و لو رميا و ضجرا، فقال أحدهما للآخر: ارم فإن أصبت فقد نضلتني، أو قال: ارم فإن أصبت هذه الواحدة فقد نضلتك، لم يجز؛ لأنّ
١- العزيز شرح الوجيز ٢٢٥:١٢، روضة الطالبين ٥٦١:٧.
![تذكرة الفقهاء [ ج ١٩ ] تذكرة الفقهاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4573_Tathkerah-Foqaha-part19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

