فَقَبِلا مِنْهَا مَا قَالَتْهُ لَهُمَا مِنَ الكَلامِ ، وَتَوجَّهَتْ بِهِمَا إِلَى سَيِّدِ الحُكَّامِ ، وَأَمْلَتْ عَلَيهِ جَمِيعَ مَا أَمْلَياهُ مِنَ النَّقْضِ وَالإِبْرَامِ ، وَالحَلِّ وَالإِلْزَامِ ، وَطَلَبَتْ مِنْهُ إِيْضَاحَ الْحُكْمِ فِي المَقَامِ ؛ لِيَزُولَ الإشْتِبَاهُ وَالإِبْهَامُ عَنْ وَجْهِ المَرَامِ ؛ فَسَأَلَهُمَا عَنْ صَحَّةِ مَا نَقَلْتُهُ عَنهُمَا ، وَنَسَبْتُهُ إِلَيْهِمَا ؛ فَأَقَرّا بِمَا بِهِ أَخْبَرَتْ ، وَاعْتَرَفَا بِصِدْقِ مَا نَقَلَتْ ؛ فَقَالَ العَقْلُ لَهُمَا : إِنَّ كُلَّ مَا استَشْهَدْتُمَا بِهِ وَدَلَّلتُما فِيهِ عَلَى مَطْلُوبَيْكُمَا مِنَ الآيَاتِ وَالأَخْبَارِ ، وُرُودُهُ مِمَّا لاَ مِريَةَ فِيهِ ، وَلاَ شَكَّ وَلاَ شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ ، غَايَةَ الأَمْرِ أَنَّ بَعْضَهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ؛ وإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ عَامّاً إلاّ أَنَّ مَوْرِدَهُ خَاصٌّ ، وَبعْضُهُ الآخَرُ خَاصٌّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَورِدُهُ عَامّاً ، والبَعْضُ الآخَرُ قَدْ كَانَ لَفْظُهُ وَمَوْرِدُهُ خَاصّاً ، وأَمَّا مَفْهَومَيْكُمَا فَهُوَ وَاضِحٌ ؛ وَلاَ نِزَاعَ لِكُمَا فِيهِ ؛ إِذْ كُلُّ وَاحِد مِنْكُمَا مُتَميِّزٌ عَنِ الآخَرِ لَفْظاً وَمَعْنىً ، وَقَدْ جَلَبَ لَكُمَا النِّزَاعُ وَأثَارَهُ بَيْنَكُمَا اخْتِلافُ طِبَاعِ المُتَّصِفِينَ بِكُمَا ، والْمُنْتَسِبِينَ لَكُمَا ؛ أَمَّا أَنْتُمَا لَوْ خُلِّيتُمَا وَذَاتَيْكُمَا ؛ فَمَحمُودَانِ ؛ لأَنَّكُمَا أَمَارَتَانِ مَوْهُوبَتَانِ مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى ، اخْتَبَرَ بِكُمَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وجَعَلَكُمَا دَلِيلَيْنِ عَلَى طَاعَةِ المُطِيعِ مِنْهُمْ ، وَمَعْصِيتِهِ لَهُ ؛ فَعُلُوقُ الذَّمِّ بِكُمَا وَالْمَدْحِ لَكُمَا مِنْ جِهَةِ المَوْهُوبِينَ لَهُمْ ؛ فَأَمَّا مَنِ اتَّصَفَ بِكَ أَيُّهَا الغِنَى وَسَاعَدَهُ التَّوْفِيقُ الإِلَهىُّ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِ خَالِقِهِ وَنَواهِيهِ فَأَطاَعَهُ وَلَمْ يَعْصِهِ ؛ فَقَامَ يَأْخُذُكَ مِنَ الوُجُوهِ التي أَمَرَهُ اللهُ بِاكْتِسَابِكَ مِنْهَا ، وَتَرْكَ الوُجُوهَ التي حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ اكْتِسَابَكَ مِنْهَا ، وأَنْفَقَكَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ ، وَتَرْكَ الإنْفَاقَ لَكَ فِي مَا لَمْ يُرْضِ اللهَ صِرْتَ مَمْدُوحاً مِنْ جِهَتِهِ وَصَارَ هُوَ مَمْدُوحاً مُثَاباً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى ؛ فَأَتَاكَ المَدْحُ التَّامُّ مِنْ جِهَتِهِ ؛ وَأَمَّا مَنْ خَذَلَهُ التَّوفِيقُ
![تراثنا ـ العدد [ ١٣٧ ] [ ج ١٣٧ ] تراثنا ـ العدد [ 137 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4505_men-ilm-alfalak-alqurani%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)