ذاتاً ووجوداً وفاردة سنخاً فلا يعقل ان تختلف آثارها وتتباين أفعالها ، ضرورة استحالة صدور الآثار المتناقضة المختلفة والأفعال المتباينة من علة واحدة بسيطة ، فان للعلة الواحدة أفعالا ونواميساً معينة لا تختلف ولا تتخلف عن إطارها المعين ، كيف حيث ان في ذلك القضاء الحاسم على مبدأ السنخية والمناسبة بين العلة والمعلول ، ومن الطبيعي ان القضاء على هذا المبدأ يستلزم انهيار جميع العلوم والأسس القائمة على ضوئه ، فلا يمكن عندئذ تفسير أية ظاهرة كونية ووضع قانون عام لها.
ودعوى الفرق ـ بين الذات الأزلية والعلة الطبيعية هو ان الذات الأزلية وان كانت علة تامة للأشياء إلا انها عالمة بها ، دون العلة الطبيعية ، فانها فاقدة للشعور والعلم ـ وان كانت صحيحة الا ان علم العلة بالمعلول ان كان مانعاً عن تأثيرها فيه على شكل الحتم والوجوب بقانون التناسب فهذا خلف ، حيث ان في ذلك القضاء الحاسم على علية الذات الأزلية وان تأثيرها في الأشياء ليس كتأثير العلة التامة في معلولها ، بل كتأثير الفاعل المختار في فعله ، وان لم يكن مانعاً عنه كما هو الصحيح حيث ان العلم لا يؤثر في واقع العلية وإطار تأثيرها ، كما درسنا ذلك سابقاً ، فلا فرق بينهما عندئذ أصلا ، فاذن ما هو منشأ هذه الاختلافات والتناقضات بين الأشياء ، وما هو المبرر لها. وبطبيعة الحال لا يمكن تفسيرها تفسيراً يطابق الواقع الموضوعي الأعلى ضوء ما درسناه سابقاً بشكل موسع من ان صدور الأشياء من الله سبحانه بمشيئته وإعمال سلطنته وقدرته ، وقد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية ، وزاوية المعاليل الطبيعية ، وعلى أساس هذا الفرق تحل المشكلة (الثالث) : انه لا يمكن على ضوء هذه النظرية إثبات علة أولى للعالم التي لم تنبثق عن علة سابقة. والسبب في ذلك ان سلسلة المعاليل والحلقات المتصاعدة التي ينبثق بعضها من بعض لا تخلو من ان تتصاعد
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
