بداهة ان واقع العلم وحقيقته هو انكشاف الأشياء على ما هي عليه لدى العالم. ومن الطبيعي ان الانكشاف لا يعقل أن يكون مؤثراً في المنكشف على ضوء مبدأ السنخية والمناسبة ، ضرورة انتفاء هذا المبدأ بينهما. وأضف إلى ذلك ان العلم الأزلي لو كان علة تامة لأفعال العباد فبطبيعة الحال ترتبط تلك الأفعال به ذاتاً وتعاصره زماناً. وهذا غير معقول.
وأما الثاني فلفرض ان العلم لا يقتضي ضرورة وجود الفعل في الخارج حيث انه لا علاقة بينهما ما عدا كونه كاشفاً عنه. ومن الطبيعي ان وقوع المنكشف في الخارج ليس تابعاً للكاشف بل هو تابع لوجود سببه وعلته ، سواء أكان هناك انكشاف أم لم يكن ، وعليه فلا موجب لضرورة وقوع الفعل الا دعوى الانقلاب ، ولكن قد عرفت خطأها وعدم واقع موضوعي لها. ونزيد على هذا ان علمه سبحانه بوقوع افعال العباد لو كان موجباً لاضطرارهم إليها وخروجها عن اختيارهم لكان علمه سبحانه بأفعاله أيضاً موجباً لذلك. فالنتيجة ان هذا التوهم خاطئ جداً.
(الوجه الرابع) ما عن الفلاسفة من ان الذات الأزلية علة تامة للأشياء ، وتصدر منها على ضوء مبدأ السنخية والمناسبة ، حيث ان الحقيقة الإلهية بوحدتها وأحديتها جامعة لجميع حقائق تلك الأشياء وطبقاتها الطولية والعرضية ومنها افعال العباد ، فانها داخلة في تلك السلسلة التي لا تملك الاختيار ولا الحرية.
والجواب عنه ان هذه النظرية خاطئة من وجوه :
(الأول) : ما تقدم بشكل موسع من ان هذه النظرية تستلزم نفى القدرة والسلطنة عن الذات الأزلية أعاذنا الله من ذلك.
(الثاني) : انه لا يمكن تفسير اختلاف الكائنات بشتى أنواعها واشكالها ذاتاً وسنخاً على ضوء هذه النظرية ، وذلك لأن العلة التامة إذا كانت واحدة
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
