وفق إطار علمه سبحانه ، ولا يمكن تخلفه عنه ، فلو كانوا مختارين في أفعالهم فلا محالة وقع التخلف في غير مورد وهو محال. وقد صرح بذلك صدر المتألهين بقوله : «ومما يدل على ما ذكرناه من انه ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان ان لا يفعل ، حيث ان الله تعالى إذا علم انه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني ، فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلا ، وذلك محال ، والمؤدي إلى المحال محال ، فعدم وقوع ذلك الفعل محال ، فوقوعه واجب ، لاستحالة خروجه من طرفي النقيضين».
والجواب عنه ان علمه سبحانه وتعالى بوقوع تلك الأفعال منهم خارجاً في زمان خاص ومكان معين لا يكون منشأ لاضطرارهم إلى إيقاعها في الخارج في هذا الزمان وذاك المكان ، والسبب في ذلك هو ان علمه تعالى قد تعلق بوقوعها كذلك منهم بالاختيار وإعمال القدرة. ومن الطبيعي ان هذا العلم لا يستلزم وقوعها بغير اختيار ، والا لزم التخلف والانقلاب. والسر فيه ان حقيقة العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه لدى العالم من دون ان يوجب التغيير فيه أصلا ، ونظير ذلك ما إذا علم الإنسان بأنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني من جهة اخبار المعصوم عليهالسلام أو نحوه فكما انه لا يوجب اضطراره إلى إيجاده في ذلك الوقت ، فكذلك علمه سبحانه
وبكلمة أخرى ان الاضطرار الناشئ من قبل العلم الأزلي يمكن تفسيره بأحد تفسيرين : (الأول) تفسيره على ضوء مبدأ العلية ، بدعوى ان العلم الأزلي علة تامة للأشياء منها افعال العباد (الثاني) تفسيره على ضوء مبدأ الانقلاب أي انقلاب علمه تعالى جهلا من دون وجود علاقة العلية والمناسبة بينهما.
ولكن كلا التفسيرين خاطئ جداً.
اما الأول فلا يعقل كون العلم من حيث هو علة تامة لوجود معلومه
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
