العقاب ، وذلك لأن المكلف حيث كان متمكناً في بداية الأمر ان لا يجعل نفسه مضطراً إلى ارتكاب الحرام ومع ذلك لو جعل نفسه كذلك بسوء اختياره وارتكب الحرام حكم العقل باستحقاقه العقاب لا محالة ، لأنه منته إلى اختياره ، ومن الطبيعي ان العقل لا يفرق في استحقاق العقاب على فعل الحرام بين كونه مقدور الترك بلا واسطة أو معها ، وانما يحكم بقبح استحقاقه على ما لا يكون مقدوراً له أصلا. فالنتيجة ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقاباً وينافيه خطاباً.
نعم قد تستعمل هذه القاعدة في مقام نقد نظرية الجبر وعدم الاختيار للعبد ، ولكنه بمعنى آخر ، والفرق بين المعنيين هو ان المراد من الامتناع هنا الامتناع الوقوعي ، والمراد من الامتناع هناك هو الامتناع بالغير وهو اختيار العبد وإرادته. وقد تقدم الكلام فيها من هذه الناحية بشكل موسع عند ما تعرضنا لنظرية الجبر ونقدها.
(الثاني) انه لا فرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفة التكليف الإلزامي الفعلي وبين تفويت حقيقة التكليف وروحه ـ وهو الملاك التام الملزم الّذي يدعو المولى إلى اعتبار الإيجاب تارة ، وإلى جعل التحريم تارة أخرى ، فإذا أحرز العبد ذلك الملاك في فعل وان علم بعدم التكليف به استحق العقاب على تفويته من دون فرق في ذلك بين أن يكون المانع من التكليف قصوراً في ناحية المولى نفسه ، كما إذا كان غافلا أو نائماً واتفق في هذا الحال غرق ولده أو حرقه وكان عبده متمكناً من إنقاذه ، فعندئذ لو خالف ولم ينقذه فلا شبهة في استحقاقه العقاب ، أو قصوراً في ناحية العبد ، كما إذا علم بان الملاك تام في ظرفه وانه لو لم يحفظ قدرته عليه لم يكن قابلا لتوجيه التكليف إليه ، فعندئذ لو خالف وعجز في ظرف التكليف عن امتثاله ، فعجزه هذا وان كان مانعاً عن توجه التكليف إليه ، لعدم القدرة الا انه
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
