الاختيار عقاباً وينافيه خطاباً في غاية الصحة والمتانة فلو اضطر الإنسان نفسه باختياره إلى ارتكاب محرم كما لو دخل في الأرض المغصوبة أو ألقى نفسه من شاهق أو ما شاكل ذلك فعندئذ وان كان التكليف عنه ساقطاً ، لكونه لغواً صرفاً بعد فرض خروج الفعل عن اختياره ، وأما عقابه فلا قبح فيه أصلا وذلك لأن هذا الاضطرار حيث انه منته إلى الاختيار فلا يحكم العقل بقبحه أبداً.
وناقش في هذه القاعدة طائفتان : فعن أبي هاشم المعتزلي ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وخطاباً ، وكان للمولى في المثالين المذكورين ان ينهى عن التصرف في مال الغير بدون اذنه ، ويأمر بحفظ نفسه بدعوى انه لا مانع من التكليف بغير المقدور إذا كان مستنداً إلى سوء اختياره ، ويظهر اختيار هذا القول من المحقق القمي (قده) أيضاً. وفي مقابل هذا القول ادعى جماعة منافاته للاختيار عقاباً وخطاباً. اما الخطاب فهو واضح. لأنه لغو صرف. واما العقاب فلأنه عقاب على غير مقدور وهو قبيح عقلا.
ولنأخذ بالنقد على كلا القولين : اما القول الأول فلان الغرض من التكليف هو احداث الداعي للمكلف بالإضافة إلى المكلف به ، وعليه فان كان المكلف به مقدوراً لم يكن التكليف به لغواً حيث انه يمكن ان يصير داعياً إليه ، وان لم يكن مقدوراً كان التكليف به لغواً محضاً ، لعدم إمكان كونه داعياً ، ومن الواضح انه لا فرق في هذه النقطة بين ان يكون مستند عدم القدرة سوء الاختيار أو غيره ، بداهة ان عدم القدرة المسبب عن سوء الاختيار لا يصحح تكليف المولى لغير القادر وإلا لجاز للمولى ان يأمر عبده بالجمع بين الضدين معلقا على امر اختياري كالصعود على السطح أو نحو ذلك وهو باطل قطعاً حتى عند القائل بهذا القول. واما القول الثاني فلان الخطاب وان كان لغواً كما عرفت الا انه لا مانع من
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
