وعلمه وحكمته التي هي من لوازم علمه وقدرته ، كذلك يدرك قبح ارتكابه سبحانه الظلم واستحالة صدوره منه ، كيف حيث انه مناف لحكمته. ومن الطبيعي ان ما ينافي لها يستحيل صدوره من الحكيم تعالى ، والسبب في ذلك ان صدور الظلم من شخص معلول لأحد أمور : الجهل ، التشفي ، العجز ، الخوف وجميع ذلك مستحيل في حقه تعالى. وكيف كان فإدراك العقل استحالة صدور الظلم منه سبحانه وقبحه من القضايا الأولية التي هي قياساتها معها. ومن هنا لو لا إدراك العقل قبح الظلم لاختلت كافة الأنظمة البشرية المادية والمعنوية.
ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا ان افعال الله تعالى لا تتصف بالقبح وأن كل ما يصدر منه سبحانه حسن الا انه لا ينبغي الشك في ان العقلاء يعاقبون عبيدهم على مخالفتهم ويثابون على إطاعتهم ، كما انهم يمدحون الفاعل على فعل ويذمونه على فعل آخر ، وهكذا ، ولو كانت الأفعال الصادرة منهم غير اختيارية كما هو مختار الأشاعرة ومذهب الفلاسفة فلا معنى لاستحقاقهم المدح والثواب عليها تارة ، والذم والعقاب أخرى. ومن هنا لا يستحقون ذلك على الفعل الصادر منهم بغير اختيار وانهم يفرقون بين الأفعال الاختيارية وغيرها ، فلو كانت الأفعال بشتى أنواعها واشكالها غير اختيارية فما هو سبب هذه التفرقة وحكمهم باستحقاق المدح أو الذم في بعضها دون بعضها الآخر. ومن الطبيعي ان كل ذلك يكشف بصورة قاطعة عن بطلان نظرية الجبر وصحة نظرية الاختيار.
الخامس ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) وإليك نصه «العقاب انما يتبعه الكفر والعصيان التابعان للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما ، فان السعيد سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمه ، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
