العادة المفروضة من ناحية أخرى ، وقد تحصل من ذلك انه لا طريق إلى إثبات نبوة من يدعيها الا إدراك العقل قبح إظهاره تعالى المعجزة بيد الكاذب ولولاه لانسد باب إثبات النبوة.
واما ثالثا فلانا لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا ان عادة الله تعالى قد جرت على ذلك ، ولكن ما هو المانع من تغيير هذه العادة وما هو الدافع لهذا الاحتمال. ومن الطبيعي انه لا دافع له الا إدراك العقل قبح ذلك ، وإذا افترضنا ان العقل لا يدرك قبحه ولا مانع عنده من هذا التغيير فاذن ما هو الدافع له؟
ومن ضوء هذا البيان يظهر بطلان دعوى جريان عادته تعالى على مؤاخذة العاصي وإثابة المطيع أيضاً بعين ما قدمناه فلا نعيد وتوهم ان إثابة المطيع ومؤاخذة العاصي مستندة إلى وعده تعالى ووعيده في كتابه الكريم من الحسنات والسيئات ، والدخول في الجنة والنار ، والحور والقصور ، والويل والعذاب وما شاكل ذلك من ألوان الثواب والعقاب خاطئ جداً والسبب في ذلك انه لا يمكن الوثوق بوعده تعالى ووعيده بعد الالتزام بعدم إدراك العقل قبح الكذب وخلف الوعد عليه سبحانه. فالنتيجة ان في عزل العقل عن إدراك الحسن والقبح وتجويز ارتكاب الظلم على الله تعالى القضاء الحاسم على أساس كافة الشرائع والأديان.
وأما الدعوى الثانية فلأنها نشأت من الخلط بين حكم العقل العملي وحكم العقل النظريّ ، وذلك لأن الله تعالى لا يعقل أن يكون محكوماً بحكم العقل العملي ، وهو حكم العقلاء باستحقاقه تعالى المدح تارة والذم أخرى على الفعل الصادر منه في الخارج ، بداهة انه لا يتصور ان يحكم عليه سبحانه عبيده.
واما العقل النظريّ فهو كما يدرك وجوده تعالى ووحدانيته وقدرته
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
