عليها ، وهو قد انتفع بها ما كانت في متناول يده ، ولكن من غير أن يجتهد في البحث عنها وفي جعلها أساساً على نحو منتظم ، وأكثر ما يرويه في معرض ذكر الشواهد التي تؤيّد رواياته قصائد وأبيات من شعر الشعراء ، وأهمّ ما صنع من حيث تقدير قيمة الروايات هو أنّه جمع طائفة كبيرة من روايات متنوّعة ومن أخبار عن الشيء الواحد مختلفة في مصادرها بحيث يستطيع الإنسان أن يوازن بينها ويعرف الصحيح المؤكّد منها من غيره ، وأبو مِخنف قد توصّل بذلك إلى أن صارت الأشياء الثانوية تتوارى ، لأنّها لا تظهر إلاّ مرّة واحدة ، كما صارت الأشياء الأساسية لا تزال تزداد بروزاً ، لأنّها تتكرّر في جميع الروايات. وهو يرتّب الروايات المختلفة التي تتناول الشيء الواحد ترتيباً ملائماً بحيث لا يزال ما بينها من ارتباط يزداد وضوحاً ، على أنّه في مثل هذا الجمع للروايات لا يمكن تفادي شيء من التخيّر لها والتوفيق بينها ، ولا يظهر هناك تناقض في النقط الجوهرية ، والروايات تتضافر حتّى يخرج منها إجماع على ما فيها.
والصورة الإجمالية التي تتكوّن عند الإنسان ثابتة متّسقة ، وليس هذا فيما يتعلّق بالوقائع فحسب بل فيما يتعلّق بالأشخاص أيضاً ، ورغم ما في مادّة الروايات المختلفة من غموض واضطراب باديين فإنّه ترفرف فوقها خطّة المؤلّف والفكرة الإجمالية التي كوّنتها لنفسه ، ومع ذلك فإنّ أبا مِخنف لا يتناول برواياته فترةً كبيرةً من الزمان ، وهو لا يربط بين أجزائها ربطاً يراعي الوقائع كما هي ويراعي ترتيبها التاريخي ، ويعوزه ترتيب الحوادث ترتيباً
![تراثنا ـ العددان [ ١٢٧ و ١٢٨ ] [ ج ١٢٧ ] تراثنا ـ العددان [ 127 و 128 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4417_turathona-127-128%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)