من مصادرها أو حضرها بنفسه من الناس ؛ وعلى هذا فإنّ الإسناد الذي تقوم عليه رواياته كان لا يزال عنده شيئاً حقيقيّاً ، ولم يذكر مجرّد صيغة أدبية ، وسلسلة الرواة الذين يذكرهم هي دائماً قصيرة جدّاً ، وهي أخيراً تنكمش انكماشاً تامّاً ، نظراً إلى أنّ المسافة التي تفصل بينه وبين الأحداث التاريخية التي روى أخبارها كانت لا تزال تقصر شيئاً فشيئاً ، هذا إلى أنّ سلسلة الرواة تتنوّع بحسب اختلاف الأحداث وتنوّع الروايات الخاصّة بها ، بحيث نجد أمامنا طائفةً كبيرةً جدّاً من أسماء رواة نجهلهم جهلاً تامّاً ، وهؤلاء الرواة الذين شهدوا الحوادث لا يدركون ما يروونه إدراكاً شاملاً ، بل هم يذكرون الحوادث شأناً ولا يغفلون عند وصف الحادثة ذكر الأسماء المتّصلة بها ، وهم يجعلون الأشخاص في أفعالهم وأقوالهم في المحلّ الأوّل ، كما أنّهم لا يزالون في مختلف الروايات يذكرون الشيء نفسه من غير اختلاف إلاّ في أشياء قليلة الشأن ، ومن أجل ذلك صار التقدّم في الرواية بطيئاً جدّاً ، ولكن وفرة التفاصيل من شأنها أن تعوّض هذا العيب الذي في الرواية ، وإلى جانب ذلك حُفِظ لنا الأثر المباشر الذي أوجدته الحوادث في النفوس وكذلك أوّل ما قيل عنها ، ثمّ تجيء الصيغة الشعبية للرواية فتزيد في حيويّتها ، وكلّ الروايات تذكر في صورة حديث بين الأشخاص الذين كانت تدور حولهم الحوادث ، وكلّ الروايات وصف لمسرح هذه الحوادث ، ولو أنّ أبا مِخنف لم يكتب لخسر التاريخ خسارة كبيرة ، وكيف كان يمكنه أن يسلك فيما كتب طريقاً غير الذي سلكه؟ فلم تقدّم له المصادر المكتوبة مادّة كبيرة يستطيع أن يعتمد
![تراثنا ـ العددان [ ١٢٧ و ١٢٨ ] [ ج ١٢٧ ] تراثنا ـ العددان [ 127 و 128 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4417_turathona-127-128%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)