تاريخيّاً مطّرداً ، فهو لا يذكر إلاّ تواريخ متفرّقة ، وفي كثير من الأحيان لا يذكر إلاّ اليوم الذي وقعت فيه الحوادث بين أيّام الأسبوع من غير ذكر الشهر والسنة ، فهو لا ينظّم الحوادث في خيط يصل بينها ، بل يصف كلّ حادث على حدثه مستقلاًّ عمّا عداه ، ويسهب في ذلك أكبر الإسهاب من غير أن يهتمّ بالاقتصار على ما هو جوهريّ»(١).
وممّا يتميّز به أبو مِخنف أنّ رواياته تبتدئ بصدر الإسلام ، وعصر الفتوحات وما بعدها ، وأنّه يخبرنا في الأغلب عن فترة سبقت عصره ثمّ الفترة التي عاشها بنفسه «ويرجع ذلك إلى أنّ اهتمامه اقتصر على المكان الذي كان يعيش هو فيه ، أعني على العراق وعاصمته الكوفة ، أمّا فيما عدا هذه الفترة المحدّدة وهذا المكان المحدّد فليس عنده علم صحيح اختصّ به. ونظراً إلى أنّ الكوفة والعراق كانت مقرّ الحزب المعارض لحكومة الدولة فإنّ أبا مِخنف يتكلّم خصوصاً عن ذلك ، والموضوعات التي يتناولها بتفصيل وشغف خاصٍّ هي ثورات الخوارج والشيعة ، التي كان على رأسها المستورد ابن علفة التميمي وشبيب بن يزيد وحجر بن عدي والحسين بن علي وسليمان بن صرد والمختار الثقفي وثورة أهل العراق بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث. فأبو مِخنف يمثّل الروايات العراقية ، وهواه في جانب أهل العراق على أهل الشام وفي جانب علي على بني أمية ، ومع ذلك فإنّ الإنسان لا يلاحظ عند أبي مِخنف شيئاً من الأغراض يستحقّ الذكر ، أو هو على الأقلّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) فلهوزن : الدولة العربية وسقوطها ، الكلمة التمهيدية.
![تراثنا ـ العددان [ ١٢٧ و ١٢٨ ] [ ج ١٢٧ ] تراثنا ـ العددان [ 127 و 128 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4417_turathona-127-128%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)