مفرداتها وجزالة ألفاظها ودقّة معانيها إضافة إلى القواعد التي ابتنيت عليها من إعراب رفع ونصب وجرٍّ جعل أبناء هذه اللغة ينشؤون على فصاحتها وبلاغتها متفطّنين إلى مواقع الكلم ومجاري الكلام ، حيث حصلت لهم منذ نشأتهم ونعومة أضفارهم ملكة في علومها من صرف ونحو وبيان وبديع وشعر وسجع وما إلى ذلك من بدائع اللغة وروائعها ، فإنّ تمرّسهم بفنون اللغة ومهاراتهم بها أضحى كأمر فطريٍّ يتلقّونه ويأنسون به منذ طفولتهم ، فإنّك إذا اطّلعت على كتب الأدب مثل الأغاني وقصص العرب وأيّام العرب لرأيت ذلك بكلِّ وضوح حيث إنَّهم ينشدون الشعر منذ الصبا ولهم ملكة في الأوزان الشعرية التي اقتبسوها من نفس طبيعة اللغة بلا معلّم ، ولكن برز منهم من عُرف بالشعر وامتاز به عن الآخرين ، مضافاً إلى ذلك النبوغ والذكاء المتوقِّد الذي كان يدفع ببعض الشعراء إلى الاهتمام والاكتراث بهذا الجانب فكانت تلمع أشعارهم وتسير بها الركبان فتنتشر في البلاد فيشتهرون بها وتعرف بها مسالكهم الشعرية أو قل نفسهم الشعريّ ، فإذا قرأت ترجمة الكميت بن زيد مثلاً فسوف تطّلع على نبوغه الشعريّ منذ عهد الصبا ، وإذا ألقيت نظرة على سوق عكاظ فسوف تعلم أنّها كانت قصبة سبق ومضمار مباراة للشعراء حيث يعلّقون الشعر الفائز منها على جدار الكعبة ، ومن ذلك لمعت المعلّقات من بين شعر العرب وشعرائهم ، وإذا قرأت قصصهم رأيت مدى احتياج مجتمعهم آنذاك إلى الشعراء حتّى في حلِّ بعض معضلاتهم الاجتماعية كبثِّ روح الأخلاق والنبل فيهم مثلاً وذلك ما نراه في لامية العرب.
![تراثنا ـ العددان [ ١١٣ و ١١٤ ] [ ج ١١٣ ] تراثنا ـ العددان [ 113 و 114 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4383_turathona%20113-114%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)