فإن قلت : قد قال فى آية أخرى (١) : (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ) فهل بين العفو والمغفرة فرق؟
قلنا : العفو عنها يستلزم مغفرتها ، فسبحان من لم يرض بغفرانها حتى بدّلها لهم حسنات مكافأة لتوبتهم.
فإن قلت : الاعتقاد أنّ طائفة من هذه الأمة لا بدّ لهم من دخول النار.
قلنا : إن لم يتوبوا ؛ وفيه إشارة إلى عدم الأمن من مكر الله ؛ ولذلك ورد الحديث : المؤمن بين مخافتين : بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه. وأيضا من لم يذق الشدة لم يجد حلاوة النعمة ؛ فقوم يستغيثون من النار ، وقوم تستغيث النار منهم ، وقوم تقول لهم النار : أجر يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبى ، وقوم يمتحشون (٢) فيها ما شاء الله ثم يخرجون منها ويتحسر من فيها ، ((٣) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) ؛ فالمؤمن الذى يدخلها تكون عليه بردا وسلاما ، كما كانت على إبراهيم ؛ وذلك أنهم تعجبوا منه من عدم حرقها له ، فأراد الله أن يريهم يوم القيامة ليعلموا أنّ صانع النار والنور واحد ، فتحرق من يشاء خالقها ، وتهرب ممن يطيعه. قال تعالى (٤) : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا).
(ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٥)) : ما استفهامية معناها التوبيخ ، وهى فى موضع رفع بالابتداء ، والمجرور بعدها خبرها ينبغى الوقف على قوله : ما لكم؟ ثم يقرأ : كيف تحكمون.
__________________
(١) غافر : ٣
(٢) امتحش الخبز : احترق (اللسان ـ محش)
(٣) الحجر : ٢
(٤) مريم : ٧٢
(٥) الصافات : ١٥٤
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٢ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4332_mutarak-alaqran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
