فإن قلت : قد وصفه الله بالصبر فى قوله تعالى (١) : (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً) ، وقرنه بنون العظمة فما بال قوله : مسّنى الضرّ؟
فالجواب أن قوله : مسنى ليس تصريحا بالدعاء ، ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ؛ ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه ؛ فكان فى ذلك من حسن التلطّف مما ليس فى التصريح بالطلب.
وقيل غير هذا من الجواب أعرضنا عنه لطوله.
وفى الآية إشارة إلى الرجوع إلى الله فى رفع المحن والشدائد ؛ ولذا طلب موسى لغيره جذوة (٢) لعلهم يصطلون ؛ فأوصله الله بالوادى المقدس ، وطلب الخضر لغيره فأوصله الله لعين الحياة ؛ فلا تنس أيها الناظر فى هذا الكتاب الدعاء لموصّله إليك من غير كلفة ؛ ولك مثله ، كما ورد فى الحديث ، واسأله سبحانه أن يفرّج عنّا كرب الآخرة ؛ إذ لا يفرجها غيره سبحانه ؛ وتأمل إلى نداء أيوب ربّه بما يوافق حاله ويقتضيه مقامه وهو الرحمة ، فاستجاب له ورحمه.
روى أن الله أنبع له عينا من ماء ، وأمره بالشرب منها ، فبرأ باطنه ، واغتسل منها فبرأ ظاهره ، وردّ إلى أكمل جماله ، وأتى بأحسن الثياب ؛ وكانت امرأته غائبة عنه فى بعض شأنها ، فلم تره فى موضعه الذى تركته فيه ، فجزعت وظنّت أنه نقل منه ، وجعلت تتولّه ؛ فقال لها : ما شأنك أيتها المرأة؟ فهابته لحسن هيئته وجمال منظره ، وقالت : فقدت مريضا كان لى هنا ، ومعالم المكان قد تغيرت ؛ وتأملت إلى مقاله فعرفته ، وقالت : أنت أيوب! قال : نعم ، واعتنقها وبكى ، ولم يفارقها حتى أراه الله جميع ماله حاضرا بين يديه بعد ما فقده.
__________________
(١) ص : ٤٤
(٢) فى ا : حاجة.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٢ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4332_mutarak-alaqran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
