وقدم التمر على العنب لأن الخطاب لأهل الحجاز ، وليس بأرضهم إلا التمر ؛ فهو عندهم أشرف من العنب ، لأن محبة الإنسان لما تعاهد وربّى عليه أقوى من محبته لغيره ؛ فالترتيب فى هذه على هذا جهة العدل.
فإن قلت : لم جمع العنب وأفرد التمر ، وأفرد فى الآية الأولى والأخيرة وجمع الوسطى ، وختم الأولى بالتفكير والثانية بالعقل (١) والثالثة بالتذكير (٢)؟
فالجواب إنما جمع العنب لظهور الاختلاف فى أنواعه ؛ لأن منه الأبيض والأكحل والأحمر ؛ فالاختلاف فى أنواعه بالطعم واللّون والجرم ، والتمر إنما الاختلاف فى أنواعه بالطعم والجرم فقط. وأفرد فى الآية الأولى لأنها تقدمتها آيات سماوية ، وهى أكثر من الآيات الأرضية ، لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، ويقال : إنما جمع الثانية إشارة إلى أنها هى والأولى آيات.
ويحتمل أن يقال لما كانت الثانية نعمة سماوية وهى أشرف وأجلى وأظهر من النعمة الأرضية جعل كل واحد على انفراده آيات لشهرته وظهوره ، أو لأن المذكورات أو لا راجعة إما لمجرد القوت أو لوصف النبات ؛ وكلاهما شىء واحد ، بخلاف الثانية [١٥٥ ا].
وقال فى الأولى : يتفكرون ؛ لأنها أمور عادية ؛ إذ حصول الشراب والشجر عن الماء أمر عادى ، وقد لا يكون عنه شىء. وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر أمر عقلى ، وليس بعادى. والثالث يقال لمن آمن بالحجة والدليل بعد أن كان نسيه فهو أمر تذكرى ؛ فلذلك قال : لقوم يذكرون.
فإن قلت : هل التذكّر والتفكر بمعنى واحد أم لا؟ والجواب أن التذكّر ثان عن التفكر ؛ ولهذا اختلفوا ؛ فذهب بعض الحكماء إلى أن العلوم كلها
__________________
(١) هى الآية ١٢ من السورة نفسها.
(٢) الآية ١٣ من سورة النحل.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٢ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4332_mutarak-alaqran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
