(كُذِبُوا) بالتّخفيف ، وقرأ الباقون كذبوا (١) ، وقرئ في الشّواذ كذبوا (٢).
فمعنى قراءة من خفّف : أن الأمم ظنّت أن الرّسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله لهم وإهلاك أعدائهم ، وهو قول ابن عبّاس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد وابن زيد والضحاك.
وأما من شدّد فالمعنى : أن الرسل أيقنوا أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا عمّهم حتى لا يفلح فيهم أحد ، وهو قول الحسن وقتادة وعائشة. والظّنّ على القول الأول بمعنى الشّك ، وعلى القول الثاني بمعنى اليقين.
وأمّا من قرأ (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) فالضّمير في (ظَنُّوا) عائد على الكفار وفي (كُذِبُوا) عائد على الرّسل عليهمالسلام ، وهو قول عائشة وهذه القراءة تروى عنها (٣).
والمؤلف ـ رحمهالله ـ في توجيهه للقراءات ينقل عن أئمة القراءة ، وأساطين اللغة والنحو ، كأبي عمرو بن العلاء. وسيبويه ، والكسائي ، والطبري ، والزجاج ، وأبي علي الفارسي ، وابن جني ، مصرحا بأسمائهم تارة ، ومغفلا ذلك أخرى.
فمن أمثله ما صرح فيه بأسمائهم ما جاء في آية سورة المائدة : (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) [١١٢]. قال (٤) : " وقرأ الكسائي (٥) هل تستطيع ربك بالتّاء ونصب (ربّك) والمعنى في هذه القراءة : هل تستدعي إجابة ربّك ، وأصله :
هل تستدعي طاعته فيما تسأل من هذا ، وهذا قول الزجاج" (٦).
ومثال ما لم يصرح فيه بأسمائهم ما صنعه في توجيه القراءة في قوله تعالى : (أَنَّها إِذا جاءَتْ) [الأنعام : ١٠٩]. فقد نقل كلام أبي عبيدة ، والأزهري من غير إشارة إلى ذلك ،
__________________
(١) السّبعة : ٣٥١ ـ ٣٥٢ ، والمبسوط : ٢٤٨ ، والبدور الزاهرة : ٢٩٨.
(٢) مختصر في شواذ القراءات : ٦٥.
(٣) فصّل القول في معاني هذه القراءات : الفراء معاني القرآن : ٢ / ٥٦ ، والزّجاج في معاني القرآن وإعرابه : ٣ / ١٠٨ ، والنّحاس في إعراب القرآن : ٢ / ١٦١ ، وابن خالويه في الحجة : ١٩٩ ، وأبو زرعة في حجة القراءات : ٣٦٦.
(٤) النكت في القرآن : ١٣٧.
(٥) السّبعة : ٢٤٩ ، ومعاني القراءات : ١ / ٣٤٣ ، والحجة لأبي علي الفارسي ٣ / ٢٧٣ ، والتيسير : ٨٣ ، والعنوان : ٨٨ ، وسراج القارئ : ٢٠٥.
(٦) معاني القرآن وإعرابه : ٢ / ١٧٨.
