قوله تعالى : (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) [الحج : ٤٥]
خاوية : خالية (١) ، وعروشها : سقوفها (٢) ، هذا قول الضحاك ، والمشيد : المجصّص وهو المبني بالشّيد وهو الحجارة والجيار (٣) ، قال قتادة : مشيد رفيع (٤) ، قال عدي بن زيد (٥) :
|
شاده مرمرا وجلّله كل |
|
سا فللطّير في ذراه وكور |
وقال آخر (٦) :
كحيّة الماء بين الطيّ والشيد
وقد عاب قوم (٧) من الملحدة قوله تعالى : (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) وقالوا : ما الفائدة في ذكر : بئر معطلة وقصر مشيد ، وأبدوا فيه وأعادوا ، وهذا لجهلهم بجوهر الكلام وغامض المعاني وإشارة البلاغة ؛ لأنّ الله تعالى ذكر هذا وما أشبهه على طريق العظة [٦٢ / و] ليعتبر بذلك ، ألا تراه تعالى قال : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) [الحج : ٤٦] ، يريد : لو ساروا لرأوا آثار قوم أهلكهم وأبادهم ، وما زالت العرب تصف ذلك في خطبها ومقامتها ، يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول في خطبته (٨) : (أين بانو المدائن ومحصنوها بالحوائط ، أين مشيدو القصور وعامروها ، أين جاعلو العجيب فيها لمن بعدهم ، تلك منازلهم خاوية ، وهذه منازلهم في القبور خالية (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) [مريم : ٩٨]) وكان سلمان إذا مر بخراب قال : يا خرب الخربين أين أهلك الأولون؟.
__________________
(١) العين : ٤ / ٣١٨ (خوى).
(٢) اللسان : ٦ / ٣١٣ (عرش).
(٣) ينظر مجاز القرآن : ٢ / ٥٣ ، وجامع البيان : ١٧ / ٢٣٦. ومعاني القرآن للنحاس : ٤ / ٤٢٠.
(٤) النكت والعيون : ٤ / ٣١.
(٥) استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن : ٢ / ٥٣ ، والطبري في جامع البيان : ١٧ / ٢٣٩ ، والماوردي في النكت والعيون : ٤ / ٣١.
(٦) هو الشماخ بن ضرار الغطفاني. ديوانه : ٢٥ ، وهو عجز بيت صدره : (لا تحسبني وإن كنت امرأ غامرا). وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن : ٢ / ٥٣ ، وابن دريد في جمهرة اللغة : ٢ / ٢٧١.
(٧) أشار إلى هذا ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن : ٩ ـ ١٠.
(٨) تنظر الخطبة كاملة في : تاريخ الطبري : ٢ / ٤٦١ ، والمعجم الكبير : ١ / ٦١ ، ومجمع الزوائد : ٢ / ١٨٩ ، والدر المنثور : ٦ / ٢٠١.
