كما ذهب إليه من قبل أن القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام ، وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام جمع بينهما في السؤال ، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة ، كأنهم قالوا : هل استحللت الشهر الحرام والمسجد الحرام (١)؟ ولا يجوز حمله على (الباء) في قوله : (كُفْرٌ بِهِ ؛) لأنه لا يعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار إلا في ضرورة شعر (٢). وسأشرحه في سورة النساء (٣).
فصل :
ومما يسأل عنه قوله : (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)؟
والجواب : أن الفتنة في الدين وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام (٤).
ويسأل : بما ارتفع (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؟)
والجواب : أنه مرفوع بالابتداء وما بعده معطوف عليه ، وخبره (أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ) وهذا قول الزجاج (٥).
وأجاز الفراء (٦) رفعه من وجهين ، فقال : إن شئت جعلته مردودا (٧) على (كَبِيرٌ) تعني : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به. وإن شئت جعلت الصّدّ كبيرا ، يريد القتال فيه كبير ، وكبير الصّدّ عن سبيل الله وكفر به. وخطأه علماؤنا (٨) في ذلك ، قالوا : لأنه يصير المعنى في التقدير الأول : قل القتال في الشهر الحرام كفر بالله ، وهذا خطأ بإجماع. ويصير التقدير في الثاني : وإخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر ، وهذا خطأ بإجماع.
وللفراء أن يقول في هذا المعنى : وإخراج أهله منه أكبر من القتل فيه لا من الكفر به ؛ لأن المعنى في إخراج أهله منه إخراج النبي صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين معه. فأمّا الوجه الأول
__________________
(١) إملاء ما من به الرحمن : ١ / ٩٣ ، والبرهان للزركشي : ٢ / ٢٥٧.
(٢) المقتصد في شرح الإيضاح : ٢ / ٩٦٠ ، وكشف المشكلات : ١ / ٢٨٠.
(٣) عند الآية : ١.
(٤) ينظر الجامع لأحكام القرآن : ٣ / ٤٦ ، والجوهر الحسان : ١ / ٤٣٧.
(٥) معاني القرآن وإعرابه : ١ / ٢٤٩ ، وينظر جامع البيان : ٢ / ٤٧٢.
(٦) معاني القرآن للفراء : ١ / ٢٤١.
(٧) أي : معطوفا.
(٨) منهم مكي في مشكل إعراب القرآن : ١ / ١٢٨ ، والحوفي في إعراب القرآن لأبي طاهر : ٤٠٨.
