واما قوله تعالى : والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ، فاللائح منه كون الضرار بهذا المعنى بتفريق شملهم ، وإدخال الشك في قلوبهم ، والتزلزل في عقائدهم ، وإليك ما روى في وجه نزوله رواه في الصافي والمجمع وغيرهما : ان بنى عمرو بن عوف بنوا مسجد قباء وصلى فيه رسول الله صلىاللهعليهوآله فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف فبنوا مسجد الضرار وأرادوا ان يحتالوا بذلك فيفرقوا المؤمنين ويوقعوا الشك في قلوبهم بان يدعوا أبا عامر الراهب من الشام ليعظهم ويذكر وهن دين الإسلام ليشك المسلمون ويضطربوا في دينهم فأخبر الله نبيه بذلك فأمر بإحراقه وهدمه بعد الرجوع من تبوك. ويوضح المقصود ما ذكره الطبرسي ضرارا أي مضارة ، وهو يريد بذلك الضرر بمن بنوا مسجد قباء ، بتفريقهم وتمزيقهم ، وتشويش عقائدهم وليس هذا إلّا التضييق وإيقاع المكروه ، لا الضرر المالي والنفسيّ.
ويشهد لما ذكرنا قوله عزّ من قائل : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا فقد روى الصدق بإسناده عن أبي عبد الله قال سألته عن قول الله عزوجل ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا قال : الرّجل يطلق إذا كادت ان يخلو أجلها راجعها ثم طلقها بفعل ذلك ثلاث مرات فنهى الله عزوجل عن ذلك ، وقال الطبرسي أي لا تراجعوهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الإضرار بهن اما بتطويل العدة أو بتضييق النفقة في العدة
ومنها قوله : ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ـ الطلاق ـ ٦ ـ فان المقصود ، كما يشهد له صدرها « وأسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم » هو التضييق عليهن بإسكانهن فيما لا يناسب شأنهن ، ويلوح ما ذكرناه من الوجهين اللذين ذكره الطبرسي فقال : لا تدخلوا الضرر بالتقصير في السكنى والنفقة والكسوة طالبين بالإضرار التضيق عليهن ليخرجن ، وقيل المعنى أعطوهن من المسكن ما يكفيهن بجلوسهن ومبيتهن وطهارتهن ولا تضايقوهن حتى يتعذر عليهن السكنى.
ومنها : قوله : ولا يضار كاتب ولا شهيد قال الطريحي : فيه قراءتان إحداهما ، لا يضار بالإظهار والكسر والبناء للفاعل على قراءة أبي عمرو فعلى هذا يكون المعنى : لا يجوز وقوع المضارة من الكاتب بان يمتنع من الإجابة أو يحرف بالزيادة والنقصان
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
