حلال وحرام ، اما بأخذه عن الإمام ، أو عن الفقيه ، ومثل المقلدين في عصرنا مثل المحدثين في أعصارهم ، فهم كانوا يفزعون معالمهم عند أئمتهم أو تلامذتهم ، وأولئك يرجعون إلى الفقهاء العارفين بحلالهم وحرامهم ، فلم جاز لهم التصدي دون أولئك.
وفيه : ان تمام الموضوع لجواز القضاء هو العلم بحلالهم وحرامهم سواء كان زمن الغيبة أو زمن الحضور ، غير ان العلم بهما في هذه الأعصار (لأجل تشتت الروايات وتضاربها ، وبعد العهد وندرة التواتر وانفصال القرائن الموجودة) لا يحصل إلّا إذا تحلى الرّجل بقوة الاستنباط ، حتى يعالج بها هذه النواحي العائقة. فالفقهاء في هذه الأعصار ، والمحدثون في أجيالهم عليهمالسلام مشتركون في انهم رووا حديثهم ، وعرفوا حلالهم وحرامهم ، غير ان المحدثين لقرب عهدهم وتمكنهم من الأئمة ، كان تحصيل العلم بحلالهم وحرامهم عليهم سهلا غير عسير ، إلّا ان علم فقهاء الأعصار ووقوفهم على أحكامهم ، يحتاج إلى طي مقدمات وتحصيل مباد ، يحتاج إلى بذل الجهد واستفراغ الوسع الّذي تحصل بهما قوة الاستنباط والاجتهاد ، فلو قال أحد بشرطية الاجتهاد ، في جواز القضاء في هذه الأعصار فلا يقصد منه دخالته في الموضوع وتقوم الموضوع به ضرورة ان الموضوع في المقبولة غيره ، بل المقصود منه ، دخالته في حصول قيود الموضوع أعني ما ساقتها المقبولة من القيود والحدود على ما عرفت واما المقلد فقد عرفت بما لا مزيد عليه انه خارج عن الموضوع من رأس ، وانه ليس ممن عرف حلالهم وأحكامهم على ما مرّ.
أضف إلى ذلك ما سيوافيك بيانه : من وجود الاجتهاد بالمعنى المعروف في أعصارهم بين العامة والخاصة اما الخاصة فسيمر عليك بيان ما يدل على وجوده فيهم ، واما العامة ، فانهم كانوا أصحاب رأى وقياس ، وكان المنصوبون من الخلفاء لأمر القضاء من الفقهاء وذوي الاستنباط والاجتهاد ، كأبي حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى وأضرابهم.
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
