بأنه لم يكن في أعصار الأئمة عين ولا أثر من هذه المسائل المدونة ، سخيف جدا ، للفرق الواضح بين أعصارهم وأعصارنا ، على ان بعض ما عددناه من المسائل كان منقحا عند أهل الاستنباط في تلك الأعصار ، كما هو واضح على من سبر أبواب الفقه ، وفصول الروايات.
والحاصل : ان معرفة مسائل أصول الفقه التي احتل في هذه الأعصار المكانة العظمى ، من أهمّ ما يتوقف عليه رحى الاستنباط ، إذ لو لم يثبت عندها حجية قول الثقة أو صحة العمل بالظواهر ، ولم نعلم الوظيفة عند فقدان الدليل ، أو كيفية الجمع ، فلا يمكن لنا الاعتماد على قول الثقة أو الظواهر عند الاستنباط ونصير متحيرا عند فقدان الدليل ، أو تعارضه فلا بد للفقيه تنقيح هذه المسائل ، وما يقع في موقفها من البحث في عموم الألفاظ أو خصوصها ، مطلقها ومقيدها ، وما يشبهها من البحث في مفاد الأوامر والنواهي كل ذلك على نحو الاجتهاد ، على حسب ما يسوقه الدليل.
ليت شعري ، ما الدليل على الاستغناء عن تنقيح هذه المباحث مع ان أكثر مدارك هذه المسائل موجود في الذّكر الحكيم ، والروايات المأثورة ، والمرتكزات الفطرية العرفية العقلائية ، كما ان بعض مسائلها مما يستدل عليه من طريق العقل ، كاجتماع الأمر والنهي ، فان مرجع البحث فيه إلى انه هل يلزم على القول بالاجتماع اجتماع الضدين أو النقيضين الّذي أجمع العقلاء حتى الاخباري على امتناعه.
واما تدوينها في كتاب مستقل ، فليس من البدع المحرمة والمحدثات المذمومة ، إذ كل علم إذا كثر البحث حوله ، تشعب فنونه ، وصار لائقا لأن يدون في كتاب مستقل وما تمسك به الاخباري في الاستغناء عنه من ان الروايات المأثورة مقطوعة الصدور ، مما لا يسمن ولا يغنى من جوع فانه على فرض صحته لا يثبت ما رامه ، ولا يوجب الغناء عن كثير من مسائل أصول الفقه ، وبالجملة فدعوى الغناء مجازفة.
نعم : لا بد من الاكتفاء علي المباحث التي تعدّ مقدمة واقعية على الاستنباط بحيث لولاها لاختل نظامه ، وانفصم عقده ، واما ما لا دخالة لها في تحصيله ، فالاشتغال به ضياع للعمر ، وانحراف عن الهدف ، ولو لا خوف الإطالة لعددت عليك
![تهذيب الأصول [ ج ٣ ] تهذيب الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4285_tafsir-bayan-alsaadi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
