والتلبيس والبيان متضادان ولو أضلهم الله هكذا لم يكن للاحتجاج عليهم بالرسل والكتب وإقامة الأدلة والترغيب والترهيب والوعد والوعيد معنى ولا فائدة.
قوله سبحانه :
حكاية عن إبليس (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) ذم إبليس وحزبه من حيث أضل الناس عن الدين وأمرهم بالاستعاذة منه فقال (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) السورة (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) فلو كان الله يضل عباده عن الدين كما يضل الشياطين لاستحق من المذمة مثل ما استحقوه وأوجبت الاستعاذة منه وإن يتخذوه عدوا وكيف يجوز أن يذم إبليس وحزبه لأمر يتعاطى مثله وهو أوله وآخره وإنه أضاف الإضلال عن الدين إلى جماعة وذمهم لذلك فقال (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ)(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً) أي إبليس (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) أي الأصنام (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ) فهؤلاء الذين ذمهم الله إما أن يكونوا قد أضلوا غيرهم عن الدين في الحقيقة دون الله أو يكون الله قد أضلهم دون هؤلاء فهو سبحانه منقول عليهم وعابهم بما هو فيه دونهم وذمهم بما لم يفعلوه وبهذا الوجه يقول القدرية ويزعمون أن إبليس وجنوده لم يضلوا أحدا عن الدين في الحقيقة دون الله وإنما أضلهم الله دون هؤلاء لأن هؤلاء لا يقدرون على الإضلال بحال وإذا كان الله مشاركا لهم في ذلك كيف يجوز أن يذمهم بفعل هو شريكهم قد ساواهم فيه وإن يستحقوا المذمة وجب له مثل ما استحقوه شاعر:
|
أاثنان يبدأ منهما الفعل واحدا |
|
يلام عليه ذا وذلك يحمد |
وإنه بين أنه يضل الظالمين وأنه لا يضل (إِلَّا الْفاسِقِينَ) وأنه لا يهدي الكافرين والفاسقين والظالمين وأنه يضل (مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ) وأنه يهدي قلب من هو مؤمن وأن من يجاهد فيه يهديه سبله فلو كان الله هو المضل ابتداء لكان جميع هذه الآيات باطلا لأنه قد يرتد المسلم ويكفر ويؤمن الكافر ويتوب والضال لا يضل وعلى قضية قولهم يجب أن يقول إني لا أضل إلا المؤمن ولا أهدي إلا الكافر وإنه نفى الإلهية عما سواه مما
![متشابه القرآن ومختلفه [ ج ١ ] متشابه القرآن ومختلفه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4252_mutashabih-alquran-wamokhtalef-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
