على أنّ ما يحكيه الله سبحانه عنه ويخاطبه به يوم القيامة ، يدل على وقوع هذه الآيات أتم دلالة حيث قال :
(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى ...)
وهاهنا يبرز سؤال وهو : إذا كان الإخبار عن الغيب آية من آياته المعجزة فلما ذا لم يقيّده ب «إذن الله» فيما سبق : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ) كما قيّد الآيات الأُخر بهذا القيد مع أنّ الإتيان بكل آية من آيات الرسل مقيد بإذن الله سبحانه حيث يقول :
(وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (غافر ـ ٧٨).
والإجابة عن هذا السؤال واضحة : فإنّ الأخبار عن ما يأكله الناس ويدّخرونه في بيوتهم ليس كالخلق والإحياء وإبراء الأكمه والأبرص ، فإنّ القلوب الساذجة تقبل وتتوهّم ألوهية خالق الطير ومحيي الموتى ومبرئ الأكمه والأبرص بأدنى وسوسة ومغالطة بخلاف ألوهية من يخبر عن المغيّبات ، فإنّها لا تذعن بالاختصاص الغيب بالله سبحانه ، بل تعتقده أمراً يناله كل مرتاض أو كاهن ، ولأجل ذلك لم ير حاجة إلى تقييده ب «إذن الله» (١).
سؤال آخر هو : أنّ قوله سبحانه : (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ) مشتمل على أُمور :
١ ـ خلق هيئة الطير من الطين.
٢ ـ النفخ في تلك الهيئة.
٣ ـ صيرورتها طيراً بإذن الله.
__________________
(١). الميزان : ٣ / ٢١٨.
