اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (١).
وهنا يقوم مع إعجاز القرآن شاهد منه على صدقه ، وأنه من عند الله ، إذ ما زال هذا التحدي قائما على الناس جميعا ، مع ما لبسوا في الحياة من ألوان العلوم والمعارف ، ومع ما حصلوا من علم ومعرفة ، ومع ما دخل على اللغة العربية من مختلف الثقافات. وما أثمرت العقول العربية من ثمرات ، في الأدب والفن والعلم ، والفلسفة ، وما أخرج العلماء من موسوعات الكتب في مختلف العلوم والفنون .. فإن كل هذا الحصاد الذي تحويه المكتبة العربية ، قديما وحديثا ، مخطوطا ومطبوعا ، ليقف بين يدي القرآن الكريم ، موقف الحصا الملقى تحت سفح جبل شامخ يطاول السماء!
فخاطب القرآن ببلاغته الانسان المسلم بأسلوب موجه مراعيا بذلك الجانب النفسي والروحي ، وملفتا نظره إلى أثر الارشاد الكبير على حياته الخاصة والعامة حاضرا ومستقبلا.
٤ ـ مع إيماننا بأن القرآن الكريم ، لم يكن كتابا علميا يحمل بين يديه مقررات في قضايا العلم ، يكشف بها عن أسرار الطبيعة للناس ، ويضع بين أيديهم حلول كل مشكلة في هذا الصراع القائم بينهم وبين ما خبأت الطبيعة في صدرها من كنوز ، فذلك أمر لم يكن من تدبير هذا الدين ولا من شرعه الحكيم أن يفعله ..
إذ أنه لو فعله لكان مما يترتب عليه ، أن تعطل وظيفة العقل ، وأن تقتل فيه نوازع حب الاستطلاع ، والكشف عن المجهول ، والبحث الدائب بمجهوده الذاتي وراء أسرار الطبيعة ، وقهرها ، والتسلط عليها ، ولفقد الانسان بهذا وجوده الكريم الذي استحق به أن يكون أهلا لخلافة الله على هذا الكوكب الأرضي ، ولأصبح شيئا من أشياء هذه الأرض ، الساكنة أو المتحركة فيها ..
ثم من جهة اخرى يصبح هذا الكتاب مجمدا ، لا يستطيع التحرك وراء
__________________
(١) سورة الاسراء : الآية ٨٨.
