(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (١٦١)
وزيارته للنسكين المعروفين وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) فلا إثم عليه (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) أي يتطوف فأدغم التاء في الطاء. وأصل الطوف المشي حول الشيء ، والمراد هنا السعي بينهما ، قيل كان على الصفا «إساف» وعلى المروة «نائلة» وهما صنمان ، يروى أنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين ، فوضعا عليهما ليعتبر بهما ، فلما طالت المدة عبدا من دون الله ، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما ، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية ، فرفع عنهم الجناح بقوله فلا جناح ، وهو دليل على أنّه ليس بركن كما قال مالك (١) والشافعي ، وكذا قوله : (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) أي بالطواف بهما مشعر بأنّه ليس بركن ، ومن يطّوّع حمزة وعلي ، أي يتطوع فأدغما (٢) التاء في الطاء (فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ) مجاز على القليل كثيرا (عَلِيمٌ) بالأشياء صغيرا وكبيرا (٣).
١٥٩ ـ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ) من أحبار اليهود (ما أَنْزَلْنا) في التوراة (مِنَ الْبَيِّناتِ) من الآيات الشاهدة على أمر محمد عليهالسلام (وَالْهُدى) الهداية إلى الإسلام بوصفه عليهالسلام (مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ) أوضحناه (لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ) في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين فكتموه (أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) الذين يتأتى منهم اللعن وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين.
١٦٠ ـ (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) عن الكتمان وترك الإيمان (وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم (وَبَيَّنُوا) وأظهروا ما كتموا (فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أقبل توبتهم (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
١٦١ ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين
__________________
(١) مالك : هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي ولد سنة ٩٥ ه ومات سنة ١٧٩ ه. ومذهبه أحد مذاهب أهل السنة والجماعة المعتمدة ، لقب بإمام دار الهجرة رضي الله عنه (الأعلام ٥ / ٢٥٧).
(٢) في (ظ) و(ز) فأدغم.
(٣) في (ظ) و(ز) أو كبيرا.
![تفسير النسفي [ ج ١ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4162_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
