يدلّ على أنّ لا نعمة بعد الوجود أعظم من قوّتي التمييز والقبول.
فالآية مشتملة على العلل الأربع للخلق : الفاعل ، والمادّة ، والغاية ، والصورة. وتدلّ ـ سيّما على ما قاله الفرّاء(١) ـ على أنّ أفعال الله تعالى معلّلة بالأغراض ، كما تقتضيه الحكمة ، وذلك لا يستدعي وصول النفع إلى الفاعل ، بل كلّما كان أكمل قصداً أفاض الغير ، على ما ترى في الوجود وتعرف من الشهود.
فأمّا التقوّل : بأنّ العالي لا ينقل للسافل ، فمقال خيالي بل اختيالي.
ولمّا كان الإنسان ـ مع سلب القوّتين ـ قاصراً عن بلوغ مراتب الكمالات العلميّة والعمليّة بنفسه ، وإنّما له شأن المعرفة والقبول ، بحيث إذا هُدي اهتدى ، ويأتي منه العمل بمقتضاه ، نبّه سبحانه على أنّه لم يكتف في شأنه بهذا القدر ، بل أتممنا عليه النعمة ، فقال :
(إنّا هَدَيْناهُ) : أرينا وعرّفنا هذا الجنس ، ويحتمل أوصلنا وبلّغنا أي من بلغ ، أو من يسمع ويبصر منهم.
(السبيل) : سبيل الحقّ ، واللاّم للعهد الذهني ، أو عوض من المضاف إليه إن جوّزناه.
وعن قتادة : طريق الخير والشرّ(٢) ، تنظيراً له بقوله تعالى : (وهديناه النجدين).
(إمّا شاكراً) : لهذه النعمة فيسلكه.
(وإمّا كفوراً) : لها فينتكب عنه.
__________________
(١) معاني القرآن للفرّاء ٣ / ٢١٤.
(٢) حكاه عنه الطبرسي في مجمع البيان ١٠ / ٢٣٨.
![تراثنا ـ العددان [ ٩٧ و ٩٨ ] [ ج ٩٧ ] تراثنا ـ العددان [ 97 و 98 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4152_turathona-97-98%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)