فقال : «الإضطراب في معنى «التوفّي» وما استعمل في لفظه المتكرّر في القرآن الكريم ، فاللغويّون جعلوا «الإماتة» في معنى «التوفّي»(١). والكثير من المفسّرين في تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران : (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)(٢) قالوا : أي مميتك(٣) ، وقال بعض : مميتك حتفَ أنفك(٤) ، وقال بعض : مميتك في وقتك بعد النـزول من السماء(٥).
وكأنّهم لم يمعنوا الإلتفات إلى مادّة (التوفّي) واشتقاقه ، ومحاورات القرآن الكريم ، والقدر الجامع بينها ، وإلى استقامة التفسير لهذه الآية الكريمة ، واعتقاد المسلمين بأنّ عيسى لم يمت ولم يقتل قبل الرفع إلى السماء كما صرّح به القرآن ، وإلى أنّ القرآن يذكر فيما مضى قبل نزوله أنّ المسيح قال لله : (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)(٦).
ومن كلّ ذلك لم يفطنوا أنّ معنى (التوفّي) والقدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه وفي مشتقّاته إنّما هو الأخذ والإستيفاء ، وهو يتحقّق بالإماتة وبالنوم وبالأخذ من الأرض وعالم البشر إلى عالم السماء.
وإنّ محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك ، كما في قوله تعالى في سورة الزمر : (الله يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَل
__________________
(١) الصحاح ٦ / ٢٥٢٦ ، والقاموس المحيط ٤ / ٤٠٣.
(٢) سورة آل عمران ٣ : ٥٥.
(٣) تفسير الطبري ٣ / ٢٠٣ ، وتفسير الرازي ٨ / ٦٧ ، وتفسير القرطبي ٤ / ١٠٠.
(٤) تفسير الكشاف ١ / ٣٦٦ ، وتفسير المنار ٣ / ٣١٦.
(٥) تفسير أبي السعود ٢ / ٤٣.
(٦) سورة المائدة ٥ : ١١٧.
![تراثنا ـ العددان [ ٩٧ و ٩٨ ] [ ج ٩٧ ] تراثنا ـ العددان [ 97 و 98 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4152_turathona-97-98%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)