وفي ما يمكن أن يستخلصه من هذه الآثار والأخبار ، وإنّ هذا التوجّه منه لدور العقل لا نراه في آثاره الكلامية فحسب بل حتّى في الكثير من رسائله الأُخرى وبشكل واضح ، فإنّ الكثير من آرائه مبتن أساساً على قاعدة قبول العقل وعدمه ، ومن ثمّ فقد أدان الشيخ بشدّة أهل الحديث لعدم تعقّلهم وتدبّرهم في الروايات ، وحتّى أنّه انتقد أُستاذه الشيخ الصدوق من أجل اتّباعه لهذه الطريقة ، ولذلك نراه قد رفض الكثير من المعتقدات لأنّها غير معقولة ، مثل القول باللوح والقلم أنّهما ملكان(١) ، والنزول الدفعي للقرآن(٢) ، وموضوع تحابط الأعمال(٣) وهذا ما تعتقده الحشوية(٤) ، وموضوع اتّحاد الأقانيم عند المسيحيّين(٥) ، وغير ذلك من المعتقدات الأُخرى.
لكن لا يخفى أنّ الشيخ المفيد كثيراً ما كان يتعرّض إلى الأُمور غير العقلية كما في الأسانيد والرجال عند تناوله للأخبار والأحاديث ، إلاّ أنّ جلّ اهتمامه نراه منصبّاً على الجانب العقلي في دراسته لهما ، إذ إنّه بمجرّد تأكّده من كون تلك الأحاديث منسجمة مع الأُصول العقلية يتناولها من الجهات
__________________
(١) تصحيح الاعتقاد : ١٠٢.
(٢) تصحيح الاعتقاد : ١٠٢.
(٣) تصحيح الاعتقاد : ٩٣.
(٤) الحشوية لقب أطلقه بعض علماء الكلام كالمعتزلة على أصحاب الحديث. وفيه نوع من التحقير لهم لأنّهم غالباً ما كانوا يعتقدون بالتجسيم والتشبيه لذات الله تبارك وتعالى كما غلب عليهم هذا اللقب أيضاً لأنّهم كانوا يحشّون كلامهم بأحاديث لا أصل لها نسبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم القائلون بالجبر والتشبيه ، انظر : فرهنگ فرق إسلامي : ص ١٥٩.
(٥) تصحيح الاعتقاد : ٩٣.
![تراثنا ـ العددان [ ٩٧ و ٩٨ ] [ ج ٩٧ ] تراثنا ـ العددان [ 97 و 98 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4152_turathona-97-98%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)