«كلّ كتاب صنّف في هذا الفنّ قد تضمّن أخباراً تلتبس معانيها على جمهور الناس ، ولم يأت أحد من المصنّفين بذكر الحرب في هذه الفتنة على الترتيب والنظام بل خلطوا الأخبار فيها خلطاً لم يحصل معه تصوّر الخلل فيما كان بين الجميع منه على الظهور والتبيان للذي جاء ...»(١).
لقد استفاد الشيخ المفيد في هذا الكتاب من الرسائل المتبادلة والمناقشات الدائرة بين الأشخاص بأحسن وجه ممكن ، فقد عرض الأخبار الصحيحة لحرب الجمل بعد تنقيحها ، فصار يحكم من بينها برأي منصف متكامل ، ومن هنا استطاع أن يخلّد أثراً جديداً وبديعاً ، وقد اعتقد البعض أنّ الشيخ المفيد في كتابه هذا اتخذ التاريخ وسيلة لإثبات آراء الشيعة في قبال العثمانيّين والمعتزلة ، وهي من إبداعات الشيخ المفيد في التلفيق بين المدرسة التاريخية وعلم الكلام(٢).
إنّ من أهمّ خصائص كتاب الجمل هو كون هذا الأثر جسراً رابطاً بين سائر الآثار القديمة المؤلّفة في هذا الموضوع ، لأنّ حرب الجمل من المواضيع التي سُجِّلت ودوّنت منذ العقود الأولى في صدر الإسلام وقد اهتمّ فيها الرواة والمؤرّخون وقد ألّفت فيه العديد من الكتب والرسائل ، فمن جملتها نستطيع أن نشير إلى مؤلّفات جابر بن يزيد الجعفي (المتوفّى سنة ١٢٨ هـ)(٣) وأبي مخنف الأزدي (المتوفّى سنة ١٥٧ هـ)(٤) وهشام بن محمّد الكلبي (المتوفّى سنة ٢٠٤ أو ٢٠٦ هـ)(٥) وأبي حذيفة إسحاق بن
__________________
(١) الجمل : ٤٨.
(٢) (منابع تاريخ اسلام) : ٢٤٣.
(٣) رجال النجاشي : ٤٣٥ ، الذريعة ٥ / ١٤١.
(٤) فهرست ابن النديم : ١٠٥ ، رجال النجاشي : ٣٢٠ ، الفهرست : ١٢٩.
(٥) رجال النجاشي : ٤٣٥ ، الذريعة ٥ / ١٤١.
![تراثنا ـ العددان [ ٩٧ و ٩٨ ] [ ج ٩٧ ] تراثنا ـ العددان [ 97 و 98 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4152_turathona-97-98%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)