ويعجبنى فى هذا المجال ، ما قاله الإمام القاضى عياض :
«لا تلتفت إلى ما سطره الاخباريون من أهل الكتاب ، الذين بدلوا وغيروا ، ونقله بعض المفسرين ، ولم ينص الله تعالى على شىء من ذلك فى كتابه ، ولا ورد فى حديث صحيح ، والذى نص عليه فى قصة داود (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) وليس فى قصة داود وأورياء خبر ثابت» (١).
والمحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضى عياض ، قال الداودى : ليس فى قصة داود وأورياء خبر يثبت ، ولا يظن بنبى محبة قتل مسلم ، وقد روى عن على بن أبى طالب ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال : «من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ، وذلك حدّ الفرية على الأنبياء» وهو كلام مقبول من حيث المعنى إلا أنه لم يصح عن الإمام علىّ ذلك ـ كما قال العراقى.
وقال القائلون بتنزيه المرسلين : فى هذه القصة أن لا ذنب ، إنما كان تمنى أن تكون له امرأة أورياء حلالا ، وحدث نفسه بذلك ، فاتفق له غزوه ، فأرسل أورياء ، فقدمه أمام الحرب فاستشهد ، فلما بلغه قتله لم يجزع عليه ، ولم يتوجع عليه كما كان يجزع على غيره من جنده إذا هلك ، ووافق قتله مراده ، ثم تزوج امرأته ، فعاتبه الله على ذلك ، لأن ذنوب الأنبياء ، وإن صغرت فهى عظيمة عند الله.
وقال بعضهم : كان ذنب داود ، أن أورياء كان قد خطب تلك المرأة ، ووطن نفسه عليها ، فلما غاب فى غزاته خطبها داود ، فآثره أهلها عليه ، وقد كانت الخطبة على الخطبة حرام فى شريعتهم ، كما هى حرام فى شريعتنا ،
__________________
(١) الشفا فى التعريف بحقوق المصطفى ج ٢ ص ١٨٥
