فأتاه النداء من السماء : يا داود. قد غفرت لك ذنبك ، ورحمتك ، ورثيت لطول مكانك ، واستجبت دعاءك ، وأقلت عثرتك ..
قال داود : يا رب .. كيف لى أن تعفو عنى وصاحبى لم يعف عنى؟
قال : يا داود : وإن يعف ، أو لم يعف ، فأنا أعطيه يوم القيامة ما لم ترعيناه ، ولم تسمع أذناه ، فأقول له : قد رضيت عبدى؟ فيقول : يا رب من أين هذا ولم يبلغه عمل؟ فأقول : هذا عوض من أجل عبدى داود فاستوهبك منه ، فيبك لى. فقال داود : يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لى ، فذلك قوله عزوجل (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ) أى فسامحناه ، وعفونا عنه ، وغفرنا له ما كان منه مما يقال فيه : «حسنات الأبرار سيئات المقربين» (١).
وقد روى البغوى أيضا ، عن طريق الثعلبى رواية مماثلة.
والذى لا شك فيه ، أن هذه الرواية وأمثالها منكرة ، ومختلقة على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم.
وقد فطن إلى ذلك العلامة ابن كثير السلفى ، فقال فى تفسيره :
«وقد ذكر المفسرون ههنا قصة ، أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبى حاتم هنا حديثا لا يصح سنده ، لأنه من رواية يزيد الرقاشى ، عن أنس ـ رضى الله عنه ـ ويزيد ـ وإن كان من الصالحين ، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة.
ومن ثم يتبين لنا كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ، ولا نكاد نصدق ورود هذا عن نبى الله داود ، الذى مدحه الله بخصال جمة ، واختصه بهبات لم يخص بها غيره ، وإنما هى اختلاقات وأكاذيب من إسرائيليات أهل الكتاب.
__________________
(١) قصص الأنبياء للثعالبى ٣١١ ، قصص الأنبياء لابن كثير ٤٨٩
