وقوله عزوجل : (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ) ؛ وذلك أنّه لمّا كثرت دعوة النّبيّ صلىاللهعليهوسلم إيّاهم إلى الإسلام وقامت عليهم الحجج ؛ قالوا : إنّ هذا الرجل يريد أن نتّبعه ونعبده كما كان عيسى من قومه حتى عبدوه ، فكذا كلّم الله عزوجل بهذه الآية ، ومعناها : ما كان بشر من الأنبياء مثل عيسى وعزير وغيرهم أن يعطيه الله الكتاب وعلم الحلال والحرام والنبوّة ؛ (ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ) أي لا يجمع لأحد النبوّة والقول للناس : كونوا عبادا لي ، وليس هذا على وجه النّهي ، ولكنه على وجه التّنزيه لله عزوجل ؛ لأنه لا يختار نبيّا يقول مثل هذا القول للناس. ويجوز أن يكون هذا على وجه تعظيم الأنبياء صلوات الله عليهم.
وقال الضحّاك ومقاتل : (معناه : (ما كانَ لِبَشَرٍ) يعني عيسى عليهالسلام (أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ) يعني الإنجيل ؛ نزلت في نصارى نجران). وقال ابن عبّاس وعطاء : «(ما كانَ لِبَشَرٍ) يعني محمّدا صلىاللهعليهوسلم (أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ) يعني القرآن. وذلك أنّ أبا رافع القرظيّ من اليهود ، والرّيّس من نصارى نجران ، قالوا : يا محمّد ؛ نريد أن نصيّرك ونتّخذك ربّا؟! فقال صلىاللهعليهوسلم : [معاذ الله أن يعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ، ما بذلك بعثني الله عزوجل ولا بذلك أمرني] فأنزل الله هذه الآية) (١). والبشر جمع بني آدم لا واحد له من لفظه ، كالقوم والجيش ، ويوضع موضع الواحد والجمع.
قوله تعالى (وَالْحُكْمَ) يعني الفهم والعلم ، وقيل : الأحكام (٢). قوله عزوجل : (وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)) ، أي ولكن يقول : (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) أي علماء عاملين ، وقيل : فقهاء معلّمين. قال مرّة بن شرحبيل : (كان علقمة من الرّبّانيّين يعلّمون النّاس القرآن). وعن سعيد بن جبير : (معناه : حكماء أتقياء) (٣). وقيل : متعبدين مخلصين. وقيل : علماء نصحاء لله عزوجل في خلقه.
__________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان عن ابن عباس رضي الله عنهما : الحديث (٥٧٩٦).
(٢) في المخطوط : (الأحكام عن).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٥٧٨١).
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
