وقرئ في الشواذّ بنصب الميم (فَمِنْ نَفْسِكَ) أي كلّ من الله ، فمن أنت ونفسك حتى يضاف إليك شيء ، غير أنّ القراءة سنّة متبّعة ؛ فلا يقرأ إلّا بما تصحّ به الرواية ، وحاصل المعنى على قراءة العامّة : أي : ما أصابك من خير ونعمة فمن الله ، وما أصابك من بليّة ، أو شيء تكرهه فمن نفسك ؛ أي بذنوبكم ، وأنا الذي قدّرتها عليك. قال الضحّاك : (ما حفظ الرّجل القرآن ثمّ نسيه إلّا بذنب) ثم قرأ (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، قال : (فنسيان القرآن من أعظم المصائب).
قوله تعالى : (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) ؛ أي ومن نعمة الله عليك إرساله إياك رسولا إليهم ، (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩)) ؛ على أنك رسول صادق يشهد لك بالرسالة والصّدق ، وقيل : شهد على مقالة القوم أنّ الحسنة من الله ، والسيئة من عندك ، وقيل : معناه : يشهد أنّ الحسنة والسيّئة كلّها من الله.
قوله عزوجل : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) ؛ أي من يطع الرسول فيما يأمره فقد أطاع الله ؛ لأنّ الرسول إنّما يأمر به من عند الله ، (وَمَنْ تَوَلَّى) ؛ أي أعرض عن طاعته ، (فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠)) ؛ أي ليس عليك إلّا البلاغ وما أرسلناك عليهم مسلّطا تجبرهم على الإيمان والطاعة وتمنعهم عن الكفر والمعصية ؛ فإنك مبلّغ وأنا العالم بسرائرهم ، وهذه الكلمة من آخر الآية منسوخة بآية السّيف.
قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ طاعَةٌ) ؛ معناه : أنّ المنافقين كانوا يقولون للنبيّ صلىاللهعليهوسلم أمرك طاعة وقولك متّبع ، (فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) ؛ فإن خرجوا من عندك يا محمّد ، (بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) ؛ أي غيّرت جماعة منهم الأمر الذي أمرتهم به على وجه التكذيب ، يقال لكلّ أمر قضي بليل : قد بيّت به ، وإنّما لم يقل للبيت ؛ لأنّ كل تأنيث غير حقيقي يجوز تعبيره بلفظ التذكير ، وقيل : معناه : قدّروا ليلا غير ما أعطوك نهارا.
قوله تعالى : (وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) ؛ أي يحفظ عليهم ما يفترون من أمرك ، وقيل : ما يسرّون من النفاق. قوله تعالى : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) ؛ أي لا تعاقبهم يا محمّد واستر عليهم إلى أن يستقيم أمر الإسلام (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) ؛ أي ثق
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
