يقول الله تعالى (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ؛ أي قل لهم يا محمّد : الحسنة والسيّئة كلّها بقضاء الله وتقديره ، (فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)) ؛ اليهود والمنافقين لا يقربون من فهم حديث عن الله. والفقه : هو الفهم ، ثم اختصّ من جهة العرف بعلم الفتوى. وقال الحسن : (أراد بالحسنة في هذه الآية : الظّفر والغنيمة ، وبالسّيّئة : القتل والهزيمة) وكانوا إذا غلبوا قالوا : هذه من عند الله ، وإذا غلبهم العدوّ قالوا : هذه من خطأ رأيك وتدبيرك.
قوله تعالى : (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ؛ واختلف المفسّرون في المخاطب بهذه الآية ، قال أكثرهم : هو النّبيّ صلىاللهعليهوسلم والمراد له عامّة النّاس. وقال قتادة : (المخاطب بها الإنسان) (١) كأنّه قال : ما أصابك أيّها الإنسان من حسنة ؛ أي من خصب ورخص سعر وفتح وغنيمة فالله تعالى هداك له وأعانك عليه ووفّقك له ، وما أصابك من قحط وجدبة وهزيمة ونكبة وكلّ أمر تكرهه ؛ فإنّما أصابك ذلك بما كسبت يداك بقضاء الله وقدره ، كما قال تعالى (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)(٢). وعن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : [ما من خدشة عود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلّا بذنب ، وما يعفو الله أكثر](٣).
وقال بعض المفسّرين : بين هذه الآية وبين التي قبلها إضمار تقديره : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ؛ لأنّه مستحيل أن يأمر الله تعالى بإضافة الحسنة والسيّئة إلى أمره وقضائه في آية ثم يتلوها بآية تفرّق بينهما بعد أن ذمّ قوما على التفرقة في الأولى ، فكيف يجوز أن يذمّ على الجمع في الآية الثانية ، ومثل هذا الإضمار كثير في القرآن.
__________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٧٨٨٥) بمعناه.
(٢) الشورى / ٣٠.
(٣) في الدر المنثور : ج ٧ ص ٣٥٤ ؛ قال السيوطي : «أخرجه سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن البصري : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : وذكره» فهو مرسل من حديث الحسن. وفي ص ٣٥٥ ؛ قال : «وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن قتادة رضي الله عنه ... وذكره. وقال : وأخرج ابن مردويه عن البراء رضي الله عنه : ... وذكره». وأخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٧٨٨٣) عن قتادة مرسلا.
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
