من الأضداد ، يقال : شريت بمعنى بعت ، وشريت بمعنى اشتريت ، فيكون معنى الآية على هذا : آمنوا ثمّ قاتلوا ، لإنة لا يجوز أن يكون الكافر مأمورا بشيء يتقدّم على الإيمان.
ثم ذكر الله تعالى فضل المجاهدين ؛ فقال : (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) ؛ أي في الجهاد الذي هو طاعة الله تعالى ؛ (فَيُقْتَلْ) ؛ هو ؛ (أَوْ يَغْلِبْ) ؛ العدوّ ؛ (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤)) ؛ فسوف نعطيه في كلا الوجهين ثوابا وافرا في الجنّة ، وسمّى الله تعالى الثواب عظيما ؛ لأنه نال ثمنا من العزيز بأغلى الأثمان ، وقد يكون ثمن الشيء مثله ، ويكون وسطا من الأثمان.
قوله تعالى : (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ؛ معناه : أيّ شيء لكم أيّها المؤمنون في ترك الجهاد مع اجتماع الأسباب الموجبة للتحريض عليه ، وقوله تعالى : (لا تُقاتِلُونَ) في موضع نصب على الحال كأنه قال : وما لكم تاركين الجهاد؟ كما قال تعالى في آية أخرى (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)(١).
وقوله تعالى : (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) ؛ في موضع خفض بإضمار (في) ؛ معناه : وفي بيان المستضعفين ؛ أي وفي نصرة المستضعفين ، ويجوز أن يكون معناه : وعن المستضعفين ؛ أي للذب عن المستضعفين ، (مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) ؛ الذين هم بمكّة ويلقون فيها أذى كثيرا وهم : سلمة بن هشام والوليد بن الوليد وعبّاس بن ربيعة وغيرهم ، كانوا أسلموا بمكّة فأراد عشائرهم من أهل مكّة بعد هجرة النبيّ صلىاللهعليهوسلم أن يفتنوهم عن الإسلام. يقول الله تعالى : ما تقاتلون المشركين في خلاص هؤلاء الضّعفاء ، (الَّذِينَ) ؛ يسألون الله ؛ (يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ) ؛ أي خلّصنا من هذه القرية ؛ يعنون مكّة ؛ (الظَّالِمِ أَهْلُها) ؛ أي الكفّار أهلها ، (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) ؛ أي من عندك ؛ حافظا يحفظنا من أذاهم ، (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ) ؛ من عندك ؛ (نَصِيراً (٧٥)) ؛ أي مانعا يمنعنا منهم. فاستجاب الله دعاءهم ، وجعل لهم النبيّ صلىاللهعليهوسلم حافظا وناصرا بفتح مكة على يديه ، واستعمل عليهم عتّاب بن أسيد ، عتاب ينصف الضعيف من الشديد.
__________________
(١) المدثر / ٤٩.
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
