وكذلك يحصل القطع من تتبّع الإجماعات المنقولة ، وكذا من مشاهدة عمل الفقهاء واتّفاقهم على العمل بأخبار الآحاد في جميع الأعصار والأمصار.
والجواب عن ذلك : أنّ المجمعين مختلفين في ما هو الحجّة والقيود المعتبرة في ذلك غاية الاختلاف. واتّفاق الكلّ على العمل بالخبر في الجملة ـ وإن اختلفوا في خصوصيّاته ـ لا أثر له بعد أن كان كلّ يخطّئ صاحبه ، إلّا إذا ثبت الإجماع منهم على العمل بالخبر على كلّ حال بحيث لو أبطل ما اعتبره كلّ من الخصوصيّات لم يرفع اليد مع ذلك عن القول بحجّيّة الخبر. وأنّى لنا الطريق إلى ذلك؟! بل نقول : إنّ هذا أيضا ليس إجماعا فعلا ، وإنّما هو إجماع تقديري ، وأمّا فعلا فكلّ يفتي على عنوان غير ما يفتي به الآخر. ومجرّد أنّه لو رفع كلّ اليد عن العنوان الذي يقول به لاتّفقوا على القدر المشترك لا أثر له.
ثمّ لو سلّمنا الإجماع ففي مقابله نقل السيّد الإجماع ، بل الضرورة على الخلاف ، وهو يهدم صولة الإجماع الأوّل فلا يفيد القطع. بل قد عرفت أنّ كلام السيّد ليس بذلك البعيد ، وأنّ عمل الإماميّة بالخبر ليس لأجل التعبّد به ، بل بمناط الوثوق الذي من أيّ سبب حصل عملوا به ، وكان الإجماع الذي ادّعاه الشيخ غير مناف له ، وأنّه في موضوع الوثوق ، وإن حسب هو المنافاة وأنّه في موضوع أعمّ.
ومن العقل بناء جميع أهل الملل والأديان على العمل بأخبار الآحاد الموثوق بنقلهم ، ولم يرد عنه ردع من الشارع فيعلم تقريره له.
والجواب : منع المقدّمتين ، أمّا بناؤهم فغير جار على التعبّد بالخبر ، وإنّما مدار عملهم على الاطمئنان من أينما حصل ، ويستوي في ذلك الخبر وغير الخبر.
وأمّا الردع فكفى فيه الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم. والظاهر أنّهم يرفعون اليد عمّا جرت سيرتهم على العمل به بمجرّد ورود دليل لفظي رادع ولو مثل هذه العمومات. فللعقلاء بناءان حاكم أحدهما على الآخر ـ أعني بناؤهم على العمل بالظواهر حاكم على بنائهم على العمل بخبر الواحد ـ بعد ألا يعقل منهم البناء على طرفي النقيض.
وبهذا بطل ما قيل ـ في منع رادعيّة هذه العمومات ـ بأنّ رادعيّتها لا تكون إلّا على وجه دائر ، بتقريب : أنّ حصول الردع بهذه العمومات موقوف على عدم عملهم بالخبر معها وإلّا خصّصت العمومات بالسيرة على العمل بالخبر. وعدم عملهم بالخبر موقوف على حصول
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
